أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٤٩ - التنبيه الأوّل في الاضطرار إلى المحرّم
بسوء الاختيار كالمحبوس في دار مغصوبة، و اخرى يضطرّ إليه بسوء الاختيار كمن دخل في الدار المغصوبة باختياره و اضطرّ إلى الخروج للتخلّص من الحرام، فيقع الكلام في مقامين: ما إذا اضطرّ إلى الحرام لا بسوء الاختيار و ما إذا اضطرّ إليه بسوء الاختيار.
أمّا المقام الأوّل: فذهب جماعة إلى صحّة صلاته ما لم تستلزم تصرّفاً زائداً في الغصب مثل أن يأتي بها إيماءً، بل قال بعضهم أنّه يجب عليه إتيان الصّلاة على نفس الكيفية التي كان عليها في أوّل الدخول، فلو كان قائماً فقائماً و لو كان جالساً فجالساً بل لا يجوز له الانتقال إلى حالة اخرى في غير الصّلاة أيضاً لما فيه من الحركة التي هي تصرّف في مال الغير بغير إذنه، و لكن لا يبعد كون ظاهر الفقهاء جواز صلاة المختار له كما استظهره صاحب الجواهر من كلماتهم، كما أنّه بعد نقل القول المزبور (أي وجوب إتيان الصّلاة على نفس الكيفية الأوّليّة) قال: «إنّه لم يتفطّن أنّه عامل هذا المظلوم المحبوس قهراً بأشدّ ما عامله الظالم بل حبسه حبساً ما حبسه أحد لأحد، اللهمّ إلّا أن يكون في يوم القيامة مثله ... إلى أن قال: «و قد صرّح بعض هؤلاء أنّه ليس له حركة أجفان عيونه زائداً على ما يحتاج إليه و لا حركة يده أو بعض أعضائه كذلك بل ينبغي أن تخصّ الحاجة في التي تتوقّف عليها حياته و نحوها ممّا ترجح على حرمة التصرّف في مال الغير، و كلّ ذلك ناشٍ من عدم التأمّل في أوّل الأمر و الأنفة عن الرجوع بعد ذلك، أعاذ اللَّه الفقه من هذه الخرافات» (انتهى) [١].
و على كلّ حال، يرد عليه:
أوّلًا: أنّه لا فرق بين حال القيام و حال القعود، أو حال السكون و حال الحركة مثلًا في مقدار ما يشغله من الحيّز و المكان فلا يتحيّز الإنسان حال القيام مكاناً أكثر من ما يتحيّزه حال القعود إلّا من ناحية الطول و العرض، و إن شئت قلت: إنّ الانتقال من حال إلى حال في المكان الغصبي لا يعدّ عرفاً تصرّفاً زائداً على أصل البقاء على الكون الأوّل.
ثانياً: أنّ لازم هذا القول سقوط الصّلاة عن الوجوب بناءً على عدم وجوب الصّلاة على فاقد الطهورين لأنّه لا إشكال في أنّ كلّ واحد من الوضوء و التيمّم يستلزم تصرّفاً زائداً بل تصرّفاً أزيد من ما يستلزمه الركوع أو السجود و لعلّه لم يقل به أحد من الفقهاء.
[١] راجع الجواهر: ج ٨، ص ٣٠٠.