أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٤٥ - العبادات المكروهة
المتزاحمين يتصوّر فيما لا يكونان من قبيل ضدّين لا ثالث لهما مع أنّ صيام يوم عاشوراء من هذا القبيل لأنّه لا يكون لصوم يوم عاشوراء بدل كي يصحّ أن يقال: إنّ النهي عنه لمنقصة فيه و أنّه إرشاد إلى سائر الأفراد ممّا لا منقصة فيه و هو بدل عنه نتخيّر بينه و بين بدله عقلًا، إذ المفروض أنّ صوم كلّ يوم مستحبّ تعييني لا تخييري من باب التزاحم، و حينئذٍ تكون منقصة صوم عاشوراء دائماً أكثر من مصلحته، فلا يكون قابلًا للتقرّب و يكون من قبيل المكروه المصطلح، إذن لا بدّ فيه من جواب آخر و هو أن نقول: إنّ النهي عنه إرشاد إلى كون الصّيام في يوم عاشوراء أقلّ ثواباً من سائر الأيّام لا أنّ تركه يكون أكثر ثواباً.
إن قلت: فلما ذا كان الأئمّة و الأصحاب يتركونه دائماً؟
قلنا: لعلّه من باب أنّ الإنسان يترك صيام بعض أيّام السنة غالباً و لا يكون صائماً في تمام السنة، فالأولى حينئذٍ أن يترك صيام ما يكون أقلّ ثواباً من الأيّام الاخر. و لا يخفى أنّ الإيراد المزبور يأتي بالنسبة إلى القسم الثاني و الثالث أيضاً و إن لم تكن الصّلاة في الحمّام مثلًا من قبيل ضدّين لا ثالث لهما، أي كان لها بدل لأنّ المفروض أنّ مصلحة تركها أكثر من مصلحة فعلها و حينئذٍ لا يمكن التقرّب إلى المولى بالفعل نظير ما إذا كان الربح المترتّب على ترك معاملة أكثر من الربح الذي يترتّب على فعلها، فلا يمكن للعبد أن يتقرّب إلى مولاه بفعل تلك المعاملة.
هذا كلّه أوّلًا.
و ثانياً: أنّ تبديل النهي عن الزجر عن الفعل إلى الأمر بالترك خروج عن معناه الحقيقي فإنّه قد مرّ أنّ النهي هو الزجر عن الفعل لمنقصة فيه إلّا أنّه بمعنى الأمر بالترك لمصلحة في الترك (و المحقّق الخراساني (رحمه الله) الذي ذهب إلى الجواب المزبور تكلّم هنا على مبناه في حقيقة النهي و قد مرّ عدم تماميّة مبناه) فإنّ النهي عن صوم عاشوراء ليس من باب أنّ في تركه مصلحة بل و هي وجود منقصة فيه من باب انطباق عنوان التشبّه ببني اميّة عليه.
ثالثاً: إنّ القسم الثالث (و هو ما إذا تعلّق النهي بعنوان آخر) خارج في الحقيقة عن العبادات المكروهة لأنّ العبادة المكروهة ما تعلّق النهي فيها بذات العبادة لا بعنوان آخر.
و بالجملة إنّ المختار في مقام الجواب عن النقض بالعبادات المكروهة أن يقال: إنّ النهي فيها مطلقاً يكون إرشاداً إلى كون العمل أقلّ ثواباً من سائر الأفراد و لكنّه ببيان آخر، و هو أنّه يوجد في العبادات المكروهة عنوانان انطبقا على محلّ واحد و لكن أحدهما يكون واجداً