أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٤٤ - العبادات المكروهة
في الحمّام إرشاداً إلى أنّ مصلحة العنوان المنطبق على تركها (و هو إيجاد الفسحة للناس مثلًا) أهمّ من مصلحة إتيان الصّلاة في أوّل الوقت مثلًا.
هذا- مضافاً إلى أنّه يمكن أن يقال: سلّمنا أنّ النهي فيه يكون لوجود منقصة في الفعل و لكنّها ليست بحيث تغلب على المصلحة الموجودة في العمل حتّى لا يكون صالحاً للتقرّب به إلى اللَّه تعالى بل إنّها منقصة مغلوبة، و مع ذلك نهى الشارع عن الفعل لكونه حينئذٍ أقلّ ثواباً من بدله الذي لا منقصة فيه (كالصّلاة في الدار مثلًا) و من بدله الذي يترتّب عليه ثواباً أكثر من الثواب الذي يترتّب على نفس طبيعة الصّلاة كالصّلاة في المسجد، فالكراهة هنا بمعنى كون العمل أقلّ ثواباً من سائر الأفراد لا بمعناه المصطلح و هو كون المنقصة أكثر من المصلحة.
و بعبارة اخرى: مصطلح الكراهة و الاستحباب في باب العبادات غير مصطلحهما في غير العبادات.
فظهر أنّ النهي عن العمل أو الأمر بالترك في القسم الثاني من العبادات المكروهة إنّما هو إرشاد إلى أنّ هذا الفرد من الطبيعة أقلّ ثواباً من الأفراد الاخر و ليس نهياً أو أمراً مولويّاً، فيكون خارجاً عن محلّ البحث.
و أمّا القسم الثالث: (و هو ما إذا تعلّق النهي بالعبادة لكن لا بذاتها بل علم أنّه لأجل عنوان يتّحد معها وجوداً و يلازمها خارجاً) فالجواب عنه إمّا بناءً على الجواز و تعدّد متعلّقي الأمر و النهي فهو أنّه يمكن أن يكون النهي مولويّاً و كان إسناده إلى العبادة مجازيّاً، فإنّ المكروه هو ذاك العنوان المتّحد معها أو الملازم لها دون العبادة بنفسها، و يمكن أن يكون إرشاديّاً، أي خالياً عن الطلب النفساني فيكون إسناده إلى العبادة حقيقيّاً قد أُنشئ بداعي الإرشاد إلى سائر الأفراد ممّا لم يبتلِ بعنوان ذي منقصة متّحد معها أو ملازم لها، و أمّا على الامتناع فإن كان النهي لأجل عنوان يلازم العبادة خارجاً فالجواب هو عين جواب المجوّز حرفاً بحرف لتعدّد المتعلّق حينئذٍ، و أمّا إذا كان النهي لأجل عنوان يتّحد مع العبادة وجوداً و رجّحنا جانب الأمر كما هو المفروض (إذ لو كان الراجح جانب النهي لكانت العبادة باطلة جدّاً لا مكروهة) فالجواب ما اجيب به في القسم الثاني أي الجواب الأخير فيه من كون النهي لمنقصة مغلوبة في الفعل و إنّما نهى الشارع عنه إرشاداً إلى سائر الأفراد ممّا لم يبتلِ بالمنقصة و الحزازة أصلًا.
و لكن يرد على هذا الجواب بالنسبة إلى القسم الأوّل: أنّ باب التزاحم و المستحبّين