أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥١٩ - الأمر السادس في اعتبار قيد المندوحة و لزوم أخذه في محلّ النزاع
من الإتيان بها إلّا في الدار المغصوبة كالمحبوس فيها، و هذه الكلمة من «ندح» بمعنى الوسعة كما ورد في الحديث: «أنّ في المعاريض مندوحة من الكذب» (و المراد من المعاريض التورية) فوقع النزاع في أنّه هل يجري النزاع في خصوص موارد وجود المندوحة أو يجري في موارد عدم وجودها أيضاً؟
و الأقوال في اعتبارها و عدمه ثلاثة:
القول الأوّل: القول بعدم الاعتبار وعليه أكثر الأعلام منهم المحقّق الخراساني (رحمه الله).
القول الثاني: القول باعتبارها وعليه المحقّق الحائري (رحمه الله) في درره و صاحب الفصول.
القول الثالث: القول بالتفصيل بين ما إذا حصل الاجتماع بسوء الاختيار كمن أوقع نفسه عملًا في الأرض المغصوبة في ضيق الوقت فلا يكون معتبراً، بل يجري النزاع مع عدم وجودها أيضاً، و ما إذا لم يكن بسوء الاختيار فيكون معتبراً، أي يجري النزاع حينئذٍ في خصوص ما إذا كانت المندوحة موجودة، و قد ذهب إليه الميرزا القمّي (رحمه الله).
و القائلون بعدم اعتبارها مطلقاً لهم بيانات مختلفة:
منها: ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و هو أنّ المهمّ المبحوث عنه في المقام هو استحالة اجتماع الأمر و النهي من ناحية وحدة المتعلّق و تعدّده و أنّه هل يستلزم الاجتماع، التكليف المحال أو لا؟
(و المراد من «التكليف المحال» هو عدم تمشّي الإرادة للمولى بالإضافة إلى مورد الاجتماع) و هو غير «التكليف بالمحال» الذي معناه التكليف بما لا يطاق، و اعتبار وجود المندوحة و عدمه مرتبط به (أي بالتكليف بالمحال) حيث إنّه إذا لم توجد المندوحة يلزم التكليف بما لا يطاق و إذا وجدت المندوحة فلا يلزم ذلك، فاعتبار هذا القيد غير لازم.
و لكن يرد عليه: أنّه لا دليل على اختصاص محلّ النزاع بلزوم التكليف المحال و عدمه و دورانه مداره، فإنّ عنوان البحث عامّ و التعبير ب «هل يجوز اجتماع ...» أي التعبير بالإمكان و عدم الإمكان يعمّ الإمكان من ناحية التكليف المحال، و الإمكان من ناحية التكليف بالمحال.
و منها: ما ذهب إليه في تهذيب الاصول من عدم اعتبار قيد المندوحة سواءً كان النزاع صغرويّاً، أي كان البحث في أنّ تعدّد العنوان هل يرفع غائلة اجتماع الضدّين أو لا؟ أو كان النزاع كبرويّاً و كان محطّ البحث جواز اجتماع الأمر و النهى على عنوانين متصادقين على واحد، و حيث إنّ مختاره في المقام هو كبرويّة النزاع، فإليك نصّ كلامه بناءً على هذا الفرض: