أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٧٧ - الفصل الخامس عشر الواجب التخييري
و اخرى: تقوم مصلحة واحدة بأمرين مختلفين، فيكون مثلًا لمرض خاصّ طريقان من العلاج، و يقوم أحدهما مقام الآخر كما أنّه يتّفق كثيراً ما في الخارج عند العرف و العقلاء فيقال:
هذا مشابه لذاك.
و ثالثة: توجد هناك مصلحتان مختلفتان يقوم كلّ واحدة منهما بطريق يخصّه، فيمكن استيفاء مصلحة كلّ منهما بطريقه الخاصّ به، فلا يقوم أحدهما مقام الآخر بل أحدهما يوجب اعدام أثر الآخر كدواءين مختلفين يؤثّران في علاج مرضين مختلفين لا يمكن الجمع بينهما.
و رابعة: توجد هناك مصلحتان متلائمان لا تباين و لا تضادّ بينهما في التأثير بل أحدهما يقوم مقام الآخر، و لكن لا يقدر المكلّف على الجمع بينهما في زمان واحد كإنقاذ الغريقين.
لا إشكال في أنّ الواجب في الصورة الاولى واجب تعييني و هو واضح، كما لا إشكال في أنّ الواجب في الصورة الثانيّة إنّما هو القدر الجامع الحقيقي بين الأمرين، أي الواجب واحد و لكن له مصداقان يوجب تخيير الإنسان عقلًا.
و أمّا الصورة الثالثة و الرابعة (اللتان يكون التضادّ في أحدهما من جانب ذاتي الشيئين و في الآخر من جانب المكلّف و عدم قدرته على الجمع بينهما في مقام الامتثال) فيكون التخيير فيهما مولويّاً و يكون متعلّق الطلب عنوان أحدهما، أي الجامع الانتزاعي، لأنّ المفروض أنّه ليس في البين جامع حقيقي حتّى يكون هو متعلّق الغرض و الطلب، بل يكون الغرض قائماً بأحدهما، فليكن الطلب أيضاً متعلّقاً بعنوان أحدهما الذي يكون عنواناً مشيراً إلى أحد الفردين في الخارج- و هذا هو الوجه الثاني أو القول الثاني من الوجوه المذكورة آنفاً.
أمّا الوجه الأوّل: و هو أن يكون الواجب الفرد المردّد.
ففيه: أنّ الفرد المردّد لا يكون كلّياً يمكن انطباقه على كلّ واحد من الفردين بل إنّه جزئي حقيقي يتصوّر فيما إذا تعلّق الحكم بفرد معيّن خاصّ و لكنّه تردّد بين الفردين بحصول جهل أو نسيان، و أمّا في المقام فلم يتعلّق الطلب بفرد معيّن، بل المتعلّق فيه كلّي «أحدهما» الذي ينطبق على كلّ من الطرفين على حدّ سواء.
إن قلت: إذا علم بنجاسة أحد الإنائين، ثمّ عرض له النسيان ثمّ انكشف له كون كلّ واحد منهما نجساً في الواقع، فلا إشكال حينئذٍ في تعلّق علم الإنسان بالفرد المردّد مع عدم تعيّنه في الخارج، فلا منافاة بين أن يكون متعلّق العلم الإجمالي الفرد المردّد و بين عدم تعيّنه في الخارج،