أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٥ - الفصل الثالث عشر هل الأمر متعلّق بالطبائع أو بالأفراد؟
و هكذا إذا أتى بالصّلاة في مكان حارّ في فصل الشتاء.
إذا عرفت ذلك فنقول: ذهب المحقّقون إلى أنّ الأوامر متعلّقة بالطبائع و استدلّوا له بوجوه:
الوجه الأوّل: الوجدان كما صرّح به في الكفاية بقوله: «و في مراجعة الوجدان غنىً و كفاية عن إقامة البرهان على ذلك حيث يرى إذا راجعه أنّه لا غرض له في مطلوباته إلّا نفس الطبائع و لا نظر له إلّا إليها من دون نظر إلى خصوصيّاتها الخارجيّة و عوارضها العينية بحيث لو كان الانفكاك عنها بأسرها ممكناً لما كان ذلك ممّا يضرّ بالمقصود أصلًا».
الوجه الثاني: أنّ الطلب سعة و ضيقاً تابع للغرض فيدخل فيه ما يكون دخيلًا في الغرض، و لا ريب أنّ الغرض قائم بطبيعة الصّلاة مثلًا فحسب لا خصوصيّاتها الزمانيّة أو المكانيّة.
نعم لا يخفى أنّ هذا الوجه في الواقع تصوير برهاني لدليل الوجدان و لا يكون دليلًا مستقلًا عنه.
الوجه الثالث: التبادر فإنّ المتبادر من الأوامر و النواهي إنّما هو طلب إيجاد الطبيعة أو تركها فقط، و هذا كافٍ في إثبات المقصود.
و استدلّ لتعلّقها بالافراد بوجهين:
أحدهما: إنّ الموجود في الخارج هو الفرد لا الطبيعة، و حينئذٍ يكون تعلّق الأمر بالطبيعة بلحاظ أنّها مرآة إلى الخارج لا بلحاظ نفسها، و ينتقل الأمر من طريق الطبيعة إلى الأفراد، و هو المقصود.
و لكن اجيب عنه: بأنّ هذا مبني على عدم وجود الكلّي الطبيعي في الخارج مع أنّه قد قرّر في محلّه أنّ الطبيعي موجود في الخارج ضمن أفراده، فيكون وجود الطبيعة متعلّقاً للأمر دون ضمائمه.
ثانيهما: إنّ المتلازمين في الوجود لا يختلفان في الحكم، و حيث إنّ اللوازم الخارجيّة و الخصوصيّات الفرديّة تكون من لوازم الوجود في الخارج فيسري الحكم إليها.
و الجواب عنه ما مرّ في بعض الأبحاث السابقة من أنّ غاية ما يقتضيه التلازم إنّما هو عدم اختلاف المتلازمين في الحكم بأن يكون أحدهما محكوماً بالوجوب و الآخر محكوماً بالحرمة مثلًا لا اتّحادهما في الحكم أيضاً فإنّه لا دليل عليه البتة.