أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٢٢ - أدلّة القول بوجوب المقدّمة
ذِكْرِ اللَّهِ». [١]
و منها: قوله تعالى: «إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ» [٢] (حيث إنّ الامتحان واجب مقدّمة لتشخيص الإيمان و الكفر) إلى غير ذلك من الأوامر الغيريّة الواردة في الكتاب الكريم، ففي جميع ذلك و أشباهها أمر اللَّه تعالى بالواجبات الغيريّة المقدّميّة.
و قد توهّم بعض انحصار هذا القبيل من الأوامر في ما تعلّق بالطهارات الثلاث ثمّ استشكل على الاستدلال بها في المقام بأنّها ليست أوامر مولويّة بل إرشاديّة ترشد إلى شرطيّة الطهارات الثلاث فقط.
و لكنّه قد ظهر عدم انحصارها في ذلك، مضافاً إلى أنّه سيأتي إن شاء اللَّه تعالى في باب استصحاب الأحكام الوضعية من مباحث الاستصحاب من أنّ الشرطيّة و الجزئيّة أمران منتزعان من الأحكام التكليفية كغيرهما من الأحكام الوضعية، و بعبارة اخرى: أنّ الشرطيّة أو الجزئيّة متأخّرة عن الأمر رتبة، و هي تنتزع من الأمر المولوي المتعلّق بالمأمور به، فكيف يمكن أن يكون الأمر إرشاداً إليها؟ فتدبّر فإنّه حقيق به.
الأمر الرابع: ما نسب إلى أبي الحسن البصري الأشعري من أنّ المقدّمة لو لم تكن واجبة لجاز تركها، و حينئذٍ فإن بقى الواجب على وجوبه يلزم التكليف بما لا يطاق و إلّا خرج الواجب المطلق عن وجوبه.
و اجيب عنه: بأنّا نلتزم بالشقّ الأوّل في كلامه، و هو بقاء الواجب على وجوبه و لكن لا يلزم التكليف بما لا يطاق، لأنّا لا نقول حينئذٍ بوجوب ترك المقدّمة حتّى تكون ممتنعة شرعاً و يصير ذو المقدّمة غير مقدور، بل نقول بعدم وجوبها شرعاً، أي المراد من جواز تركها عدم المنع الشرعي عن تركها، فتكون باقية على وجوبها العقلي و لا إشكال في أنّه لا يلزم حينئذٍ محذور عقلي في الأمر بذي المقدّمة.
هذا تمام الكلام في أدلّة القائلين بوجوب المقدّمة، و قد عرفت تماميّة الوجوه الثلاثة الاولى بلا إشكال، و إن كان بعضها كالأخير قاصراً عن إثبات المطلوب.
و أمّا القائلون بعدم وجوبها فاستدلّوا بلزوم اللغويّة مع وجود اللابدّية العقليّة.
[١] سورة الجمعة: الآية ٩.
[٢] سورة الممتحنة: الآية ١٠.