أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٠٨ - وجوب المقدّمة الموصلة
يسمّى بالحصّة التوأمة على بعض التعابير، و بالقضيّة الحينية على تعبير آخر، لأنّه لا إهمال في مقام الثبوت، فإنّ المولى إمّا أن يطلب الوضوء مثلًا مع تقيّده بقيد الإيصال فيكون من قبيل القضيّة المشروطة، أو لا يطلبه في الواقع كذلك فيكون من قبيل القضيّة المطلقة، و لا نعقل شيئاً ثالثاً في مقام الثبوت و الواقع.
و قد يجاب عن هذه المناقشة بأنّه يمكن تصوير شقّ ثالث في مقام الثبوت و هو ما قد يعبّر عنه بالتضيّق الذاتي في المعلول بالنسبة إلى علّته، فإنّ كلّ نار مثلًا لا توجد مطلق الحرارة بل إنّما توجد الحرارة المضيّقة بها نفسها، فالحرارة بالنسبة إليها لا مطلقة و هو واضح، و لا مقيّدة لأنّ في التقييد يكون القيد و المقيّد في رتبة واحدة، و الحرارة معلولة للنار، و المعلول ليس في رتبة علّته فلا بدّ من القول أنّ الحرارة مضيّقة بالنار في مرتبة الذات، و هكذا في ما نحن فيه، فالوضوء لا مطلق بالنسبة إلى الصّلاة و لا مقيّد بها، لكونهما في رتبتين، فيكون مضيّقاً بها بتضيّق ذاتي، و لعلّ هذا هو المراد من الحصّة التوأمة.
و لكن يمكن الجواب عنه أيضاً: بأنّ التضيّق الذاتي أمر مقبول في باب العلّة و المعلول، و قد مرّ كراراً أنّ مثل المقام ليس من ذلك الباب، فإنّ العلّة لوجوب الوضوء إنّما هي إرادة المولى لا وجوب الصّلاة، بل وجوب الصّلاة من قبيل الداعي للمولى إلى إيجاب الوضوء فقياس الوضوء، بالنسبة إلى الصّلاة بالحرارة بالنسبة إلى النار مع الفارق، و لا يمكن تصوير شقّ ثالث باسم التضيّق الذاتي فيه، بل يدور الأمر فيه بين الإطلاق و الاشتراط كما عرفت، و حيث إنّه ليس من باب العلّة و المعلول فلا مانع من التقييد و الاشتراط فيه، أي يقول المولى: إنّما اريد هذا الوضوء مقيّداً بإيصاله إلى الصّلاة، فرجع الكلام بالمآل إلى المقدّمة الموصلة.
فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ جميع الأقوال غير تامّة إلّا القول الرابع و هو مقالة صاحب الفصول.
فنقول: الحقّ في المسألة هو هذا القول، أي وجوب المقدّمة الموصلة و يمكن أن يستدلّ له بأُمور ثلاثة:
الأمر الأوّل: الوجدان، و هو العمدة، فإنّ الوجدان الفقهي في المقدّمات المحرّمة حاكم بأنّ تبديل حكم حرمة المقدّمة إلى جوازها بل وجوبها منحصر فيما إذا أوصل المكلّف إلى ذي المقدّمة، فمن دخل الدار المغصوبة و لم ينقذ الغريق فقد عصى، و من دخلها و أنقذ الغريق فقد