أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٧٣ - ثمرة المسألة
إن قلت: كيف يستدلّ الشّيخ الأعظم (رحمه الله) بهذا الوجه مع أنّه قائل برجوع القيد إلى المادّة؟
على أيّ حال: فلا يتصوّر عنده تقييد الهيئة عقلًا حتّى يدور الأمر بينه و بين تقييد المادّة.
قلنا: إنّه كذلك و لكنّه كان يحتمل رجوع القيد إلى الهيئة في ظاهر اللفظ و مقام الإثبات، و أنّه و إن كان يرجع إلى المادّة لبّاً و لكن لهذا الظهور أثر عملي، و هو عدم ترشّح الوجوب من ذي المقدّمة إلى مثل هذا القيد، فقد مرّ منه أنّ القيود الراجعة إلى المادّة على قسمين: قسم يكون راجعاً إلى المادّة في ظاهر اللفظ أيضاً فيترشّح الوجوب من ذي المقدّمة إليه فيجب تحصيله، و قسم لا يكون راجعاً إليها في ظاهر اللفظ، فهو و إن كان راجعاً إليها لبّاً و لكن نستكشف من عدم أخذه قيداً للمادّة في ظاهر اللّفظ و مقام الإثبات عدم ترشّح الوجوب إليه، أي عدم وجوب تحصيله.
فظهر أنّ لرجوع القيد إلى الهيئة و عدم رجوعه إليها ثمرة حتّى على مبنى الشّيخ الأعظم (رحمه الله)، فالوجه الثاني المذكور لمقالته في مقام الشكّ أيضاً لا غبار عليه من هذه الناحية.
و لكن يمكن الجواب عن كلا الوجهين.
أمّا الوجه الأوّل: فيجاب عنه أوّلًا: بأنّ «تقسيم الإطلاق إلى الشمولي و البدلي غير صحيح لأنّ الذي يستفاد من الإطلاق ليس إلّا كون ما وقع موضوعاً للحكم تمام العلّة لثبوته، و أمّا الشمول و البدليّة بمعنى كون الحكم شاملًا لجميع الأفراد أو فرد منها، أو بمعنى أنّ الطلب هل يسقط بإيجاد فرد منها أو بإيجاد كلّها فغير مربوط بالاطلاق بل لا بدّ في استفادة أيّ واحد من الشمول و البدل من التماس دليل آخر غير الإطلاق» [١]، و هذا الجواب تامّ لا غبار عليه.
و ثانياً: بأنّ المناط في تقدّم أحد الإطلاقين على الآخر ليس هو كونه شمولياً فإنّ الشمولي ليس بأقوى من البدلي، بل هو الاستناد إلى الوضع و عدمه، فإذا كان العموم الشمولي مستنداً إلى الوضع كما في صيغة كلّ و نحوها، و الإطلاق البدلي مستنداً إلى مقدّمات الحكمة كالاطلاقات المنعقدة لأسامي الأجناس نوعاً قدم العموم الشمولي الوضعي على الإطلاق البدلي المستفاد من مقدّمات الحكمة لكن لا بملاك كونه شموليّاً بل بملاك كونه وضعيّاً و أنّه أظهر من البدلي حينئذٍ، و إذا انعكس الأمر فكان العموم الشمولي مستنداً إلى مقدّمات الحكمة كما في «أحلّ اللَّه البيع» و الإطلاق البدلي مستنداً إلى الوضع كما في كلمة «أيّ»، قدّم الإطلاق البدلي
[١] راجع تهذيب الاصول: ج ١، ص ١٨٧، طبع مهر.