أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٤٩ - الرابع تقسيمها إلى المتقدّم و المقارن و المتأخّر
تكون مقدّمة له و إنّما هي مقدّمة لحصول العلم بالواجب و فراغ الذمّة و الأمن من العقاب» [١]، هذا ما ذكره بعض الأعلام و هكذا غيره من سائر الأعلام، فقد أرسلوا المسألة إرسال المسلّمات، بل لم يعنونوها غالباً بزعم أنّ خروجها عن محلّ النزاع واضح.
و لكن مع ذلك كلّه فالحقّ عندنا أنّها داخلة في محلّ النزاع و ذلك لرجوعها أيضاً إلى مقدّمة الوجود، فإنّ المكلّف في المثال المزبور لا يكون قادراً على إتيان الواجب و إيجاده في الخارج إلّا بإتيان جميع أطراف العلم الإجمالي كما أنّ المولى إذا أمر عبده مثلًا بجلب سارق اختفى في إحدى هذه البيوت العشرة و العبد يعلم إجمالًا باختفائه فيها، فلا إشكال في أنّ العبد ليس بقادر على جلب السارق إلّا بالبحث عنه في تلك البيوت و يعدّ عمله هذا عرفاً من مقدّمات امتثاله و إيجاد المأمور به في الخارج، كذلك في الامور الشرعيّة، فإنّ المكلّف بالصّلاة في المثال المزبور لا يكون قادراً على إتيانها إلّا بإيجادها إلى الجهات الأربع، و يكون إتيان الصّلاة إلى جميع هذه الجهات مقدّمة للإتيان بالصّلاة المأمور بها في الخارج، نعم قد تصادف الصّلاة الاولى للقبلة و لكن هذا أمر خارج عن اختيار المكلّف لا يتعلّق به التكليف، و لذا لا يمكن للمولى أمره بخصوص ما يصادف في أوّل مرّة، فلا يمكن تكليف العبد بتحصيل المأمور به إلّا من طريق أربع صلوات. و بهذا يكون مردّ المقدّمة العلمية إلى مقدّمة الوجود، أي أنها تعدّ مقدّمة العلم بلحاظ معيّن و مقدّمة الوجود بلحاظ آخر، فتكون حينئذ داخلة في محلّ النزاع.
الرابع: تقسيمها إلى المتقدّم و المقارن و المتأخّر
و المقارن نظير القبلة و الطهارة بالنسبة إلى الصّلاة، و المتقدّم نظير عقد الوصيّة بالنسبة إلى ملك الموصى له، و المتأخّر نحو الأغسال الليلية بالإضافة إلى صحّة صيام المستحاضة في اليوم الماضي عند بعض.
و استشكل في المتأخّر و المتقدّم بأنّ العلّة التامّة يجب عقلًا أن تكون مقارنة زماناً للمعلول و إن كانت مقدّمة عليه رتبة، إذ لا يعقل التفكيك بينهما في الزمان، هذا من جانب، و من جانب آخر إنّا نشاهد أمثلة لهما في الشرع المقدّس كالأمثلة المزبورة كما نشاهدها في العرفيات نظير
[١] المحاضرات: ج ٢، ص ٣٠٣.