أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٦٥ - الأمر الثاني في دلالتها على الوجوب
(بناءً على القول بها) ففي قول المولى تعالى «أحسن كما أحسن اللَّه إليك» أو قوله تعالى:
«وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ» (بناءً على استحباب الكتابة في الدَّين كما هو المشهور و المعروف) لا يصحّ سلب معنى الأمر منهما وجداناً، فلا يصحّ أن يقال أنّه ليس بأمر مع أنّ المجازيّة تستلزم صحّة السلب كما لا يخفى.
الاحتمال الثاني: ما ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله) و هو «أنّ الوجوب إنّما يكون حكماً عقليّاً و معناه أنّ العبد لا بدّ أن ينبعث عن بعث المولى إلّا أن يرد منه الترخيص بعد ما كان المولى قد أعمل ما كان من وظيفته و أظهر و بعث و قال مولويّاً «افعل» و ليس وظيفة المولى أكثر من ذلك، و بعد إعمال المولى وظيفته تصل النوبة إلى حكم العقل من لزوم انبعاث العبد عن بعث المولى، و لا نعني بالوجوب سوى ذلك» [١].
و الإنصاف عدم تماميته أيضاً، لأنّ حكم العقل بوجوب الانبعاث في مقابل مطلق بعث المولى أوّل الكلام، بل أنّ وجوبه أو استحبابه متفرّع على كيفية إرادته و استعماله لصيغة الأمر، فإن استعملها في الوجوب يحكم العقل بوجوب الانبعاث و إن استعملها في الندب يحكم العقل باستحباب الانبعاث، فوجوب الإطاعة و العمل على وفق مراد المولى مسلّم، إنّما الكلام في مراد المولى من أمره.
الاحتمال الثالث: ما ذكر في تهذيب الاصول، و هو «أنّها كاشفة عن الإرادة الحتمية الوجوبيّة كشفاً عقلائيّاً ككاشفية الأمارات العقلائيّة، و يمكن أن يقال أنّها و إن لم تكن كاشفة عن الإرادة الحتمية إلّا أنّها حجّة بحكم العقل و العقلاء على الوجوب حتّى يظهر خلافه» [٢].
أقول: كلا الوجهين قابلان للمناقشة جدّاً، لأنّه لا حجّة للعقلاء في باب الألفاظ إلّا من طريق الدلالة حيث إنّه لا معنى لأماريّة الألفاظ إلّا من ناحية دلالتها على معنى، و البناءات العقلائيّة و الحجج المعتبرة عندهم في باب الألفاظ لها مجارٍ خاصّة، فهي إمّا أن تكون من باب الوضع أو من باب مقدّمات الحكمة أو القرينة، و إذاً لا بدّ من تعيين أحد هذه الطرق حتّى نعيّن كيفية الدلالة و منشأها.
و الحاصل: أنّ بناء العقلاء على الوجوب فرع دلالة هذا اللفظ عليه بأحد أنحاء الدلالة،
[١] فوائد الاصول: ج ١، ص ١٣٦، طبع جماعة المدرّسين.
[٢] تهذيب الاصول: ج ١، ص ١٠٥، طبع مهر.