أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٦٢ - الكلام في القضاء و القدر
مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» [١] و نحو قوله تعالى: «وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ» [٢]، أو تشريعاً نحو قوله تعالى: «عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ» [٣] الذي ورد في تعيين و تحديد تكليف المعسر و الموسع في متعة المطلّقات اللاتي لم يفرض لهنّ المهر.
و المختار في المقام الذي يلائم المعنى اللغوي و ظواهر الآيات و الرّوايات هو أنّ القضاء و القدر على نحوين: تشريعي و تكويني، و المراد من القضاء التشريعي هو مطلق الواجبات و المحرّمات التي أمر المكلّف بإتيانها أو نهى عن ارتكابها، و من القدر التشريعي هو مقدار هذه الواجبات و المحرّمات و حدودها و مشخّصاتها، فمثلًا أصل وجوب الصّلاة قضاء اللَّه، و وجوب إتيانها سبع عشرة ركعات في الأوقات الخمسة قدره، و هكذا بالنسبة إلى الزّكاة و الصّيام و الحجّ و سائر التكاليف، و من أوضح الشواهد على هذا المعنى و أتقنها ما مرّ من بيان المولى أمير المؤمنين ٧ حينما كان جالساً بالكوفة منصرفاً من صفّين و هو حديث طويل يشتمل على فوائد جمّة، و قد ورد في ذيله: «ثمّ تلا عليه: «وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» و لا إشكال في أنّ المراد من القضاء في هذه الآية إنّما هو القضاء التشريعي.
و أمّا المراد من القضاء و القدر التكوينيين فهو نفس قانون العلّية و إنّ كلّ شيء يوجد في عالم الوجود و كلّ حادث يتحقّق في الخارج يحتاج إلى علّة في أصل وجوده (و هو القضاء)، و في تقديره و تعيين خصوصيّاته (و هو القدر) فمثلًا إذا انكسر زجاج بحجر فأصل الانكسار هو القضاء، أي عدم تحقّقه بدون العلّة، و أمّا مقدار الانكسار المناسب لقدر الحجر و شدّة الاصابة فهو القدر.
لا يقال: «لو كان الأمر كذلك أي كانت جميع الكائنات محكومة لقانون العلّية و القضاء و القدر التكوينيين لزم أن تكون أفعال العباد أيضاً محكومة لهذا القانون و يلزم منه الجبر» لأنّه قد مرّ سابقاً أنّ من قضاء اللَّه التكويني و قدره صدور أفعال العباد من محض اختيارهم و إرادتهم و أنّ الجزء الأخير للعلّة التامّة فيها إنّما هو اختيار الإنسان الذي قضى اللَّه عليه و قدره في وجوده، و لذلك قلنا: أنّ إسناد الفعل إلى الإنسان حقيقي كما أنّ إسناده إلى اللَّه تعالى في نفس الوقت حقيقي أيضاً.
[١] سورة الحجر: الآية ٢١.
[٢] سورة المؤمنون: الآية ١٨.
[٣] سورة البقرة: الآية ٢٣٦.