أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٥٨ - الثالث في معنى السعيد سعيد في بطن امّه
و كذلك الذين يعيشون في المجتمعات الصالحة أو الفاسدة، فليس شيء من ذلك علّة تامّة للسعادة و الشقاوة و الطاعة و المعصية بل الجزء الأخير هو إرادة الإنسان.
و كذلك قبول التوحيد بأقصى مراتبه لا ينافي القول بالاختيار كما عرفت تفصيل الكلام فيه و لا حاجة إلى مزيد توضيح أو تكرار.
و أمّا السبب الروحي و النفساني فهو ما يحاوله الإنسان عند الفشل و الهزيمة من سلب المسئوليّة عن نفسه و إسناد العلّة و السبب إلى أمر آخر جبري فيقول: «إنّي سيئ الحظّ» مثلًا أو يقول: «فلان حسن الحظّ» و هكذا الحال في تبريره لسلوكه الشائن و أفعاله الشريرة من أجل التخلّص من الضغط الروحي و الملامات الوجدانيّة فيقول: «أراد اللَّه هكذا و لم يكن فعلي تحت اختياري و إرادتي، بل كان مقدّراً من قبل، و لا يمكن الفرار عن تقديره تعالى» أو «لا يمكن الفرار عن جبر المحيط و الدوافع» إلى غير ذلك، كما يشاهد في كثير من المسجونين الذين سجنوا بما قدّمت أيديهم من المآثم و الكبائر.
و أمّا الأسباب السياسيّة فهي ما ينطق به تاريخ البشريّة من الاساليب المضلّلة لحكومات الجور و قوى الانحراف في طرح مسألة الجبر و القضاء و القدر لتوجيه تحكّماتهم و جناياتهم و بغرض تسليم الناس في مقابل رغباتهم الشرّيرة و لتخدير أفكارهم و التقدّم في مقاصدهم الخبيثة، كما نسب في التاريخ إلى جنود المغول و كما جاء في كلمات بعض الأعاظم «أنّ الجبر و التشبيه امويان و العدل و التوحيد (أو التوحيد و التنزيه) علويّان» و معناه أنّ بني اميّة كانوا ينشرون مذهب الجبر لتوجيه جناياتهم.
الثالث: في معنى السعيد سعيد في بطن امّه ...
أمّا ما استند به المحقّق الخراساني (رحمه الله) من الحديثين (حديث:
«السعيد سعيد في بطن امّه و الشقي شقي في بطن امّه» و حديث «الناس معادن كمعادن المذهب و الفضّة»
). و هما ممّا ورد في منابع الفريقين، فأمّا الرّواية الاولى
فقد رواها الكناني عن الصادق ٧ قال: قال رسول اللَّه ٦: «الشقي من شقى في بطن امّه الخبر»
[١]، و من طريق العامّة [٢] رواها
[١] بحار الأنوار: ج ٥، ص ١٥٣، و الحديث بلفظ ما رواه المحقّق الخراساني (رحمه الله) ورد في توحيد الصدوق: ص ٣٥٦، الباب ٥٨، ح ٣.
[٢] مسند أحمد بن حنبل: ج ٢، ص ١٧٦.