أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٥١ - الأدلّة النقليّة على القول بالاختيار
الثالث أنّها بمعنى ترتّب الثواب على العمل، و تقابلها الضلالة بمعنى حبط الأعمال، و منه قوله تعالى: «وَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ» [١].
أقول: إن كان مراده تفسير الضلالة بالمعنى الأخير كما يظهر من بعض كلماته فهو واضح الإشكال، فإنّ كثيراً من آيات الضلالة لا تلائم هذا المعنى و لا دخل لها بمسألة الثواب و العقاب، و إن كان المراد إنّ كلًا من هذه المعاني الثلاثة للهداية تقابله الضلالة فهو حقّ لا ريب فيه، فإنّ كثيراً من آيات الضلالة بمعنى سلب التوفيق و عدم اعداد المقدّمات نحو المطلوب كما ذكره كثير من المحقّقين، و هذا أيضاً أمر اختياري، لأنّ التوفيق و كذا سلبه من قبل اللَّه لا يكون بلا دليل بل هو ناشٍ عن بعض أعمال الإنسان الحسنة أو السيّئة أو نيّاته و صفاته الحسنة و الخبيثة.
و المختار في الجواب- عن مسألة الهداية و الضلالة في القرآن- هو ما يستفاد من نفس الآيات الكريمة، تارةً: على نحو الإجمال و اخرى: على نحو التفصيل:
فالجواب الإجمالي: ما جاء في ذيل بعض الآيات المزبورة (و هو قوله تعالى: «فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ») فإنّ قوله «و هو العزيز الحكيم» إشارة إجماليّة إلى أنّ مشيّة اللَّه و إرادته ضلالة بعض العباد و هداية بعض آخر تنشأ من حكمته و عزّته، فإنّ قدرته و عزّته متقاربة مع حكمته و مندرجة فيها، و مشيّته ناشئة من كلتيهما معاً لا من القدرة فقط، فإذا علمنا بأنّ إرادته تنشأ من الحكمة فإضلاله أو هدايته مبنية على ما يصدر من العباد أنفسهم من الأعمال السيّئة أو الحسنة، و على أساس ما اكتسبوه من الاستحقاق أو عدم الاستحقاق للهداية و الضلالة.
و أمّا الجواب التفصيلي: فهو ما تصرّح به كثير من الآيات من أنّ الهداية أو الضلالة تنشأ ممّا كسبته أيدي العباد و قدّمته أيديهم، فبالنسبة إلى الهداية نظير قوله تعالى:
١- «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» [٢].
٢- «وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ» [٣].
[١] سورة محمّد: الآية ٨.
[٢] سورة العنكبوت: الآية ٦٩.
[٣] سورة التغابن: الآية ١١.