أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٧ - الأدلّة النقليّة على القول بالاختيار
نعم أنّه وارد على مقالة من يقول: بأنّ الجبر في أفعال الإنسان ينشأ من إرادة اللَّه تعالى و مشيّته الأزليّة، و لا تدفع قول من يرى أنّه ناشٍ من عوامل اخرى أمّا نفسانيّة ذاتيّة للإنسان كعامل الوراثة، أو خارجيّة عن ذاته كعامل الطبيعة و المجتمع إذا كانت قابلة للتغيير و لو جبراً.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) أورد مسألة الجبر و الاختيار في مبحث التجرّي أيضاً، ثمّ ذكر هذا الوجه تحت عنوان «إن قلت» و أنّه ما فائدة انزال الكتب و إرسال الرسل؟ و أجاب عنه بأنّ فائدة انزال الكتب و إرسال الرسل هو انتفاع من حسنت سريرته منها و تكامله بها، و إتمام الحجّة بالنسبة إلى من خبثت سريرته.
أقول: هذا البيان مثله من مثله بعيد جدّاً لأنّه لا معنى للانتفاع أو إتمام الحجّة بناءً على العلّية التامّة في مقام الذات، اللهمّ إلّا أن يقال إنّ مقصوده من العلّية إنّما هو الاقتضاء لا العلّية التامّة، و لكن هذا عدول عن ظاهر كلامه و من يقول بمقالته و يحذو حذوه. هذا تمام الكلام في الأدلّة العقليّة لمذهبي الجبر و الاختيار.
الأدلّة النقليّة على القول بالاختيار:
و أمّا الأدلّة النقليّة: من الآيات و الرّوايات فهي كثيرة لكلّ من الطرفين، فالجبريّون استدلّوا بطوائف خمسة من الآيات التي تدلّ بظاهرها على أنّ الفاعل إنّما هو الباري تعالى فقط (و لعلّ من مناشئ القول بالجبر هو ظاهر هذا القبيل من الآيات مع الجمود على ظواهرها من دون ملاحظة سائر الآيات و القرائن العقليّة):
الطائفة الاولى: ما تدلّ على أنّه تعالى خالق لكلّ شيء كقوله تعالى: «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ» [١] و قوله تعالى: «أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» [٢] و قوله تعالى: «فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ» [٣].
[١] سورة الأنعام: الآية ١٠٢.
[٢] سورة الرعد: الآية ١٦.
[٣] سورة الصافات: الآية ٩٦.