أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٣٢ - الوجه الأوّل برهان التكرار
المشروب، فلو فرضنا أنّ الطبيب علم من بعض القرائن عدم امتثاله و ارتكابه لما نهى عنه و بالنتيجة دوام مرضه و موته، فهل يمكن حينئذٍ أن يستند موت المريض إلى علم الطبيب؟
و هكذا إذا علم الاستاذ الممتحن عدم نجاح تلميذه في الامتحان من بعض القرائن من قبل، فهل يصحّ أن يستند عدم نجاحه إلى علم الاستاذ؟ أو فرضنا اختراع آلة ينعكس فيها جميع أفعال العباد و الحوادث الآتية فهل يجوز استناد جميع تلك الحوادث إلى تلك الآلة؟ كلّا، فإنّ علم الباري تعالى بأفعال عباده من هذا الباب.
و الإنصاف أنّ هذا الدليل أشبه شيء بالمغالطة، و سيأتي أنّ الميل إلى مذهب الجبر ليس له دليل فلسفي برهاني، بل له جذور أخلاقيّة أو اجتماعيّة أو نفسانيّة، و أنّ الإنسان يميل إليه و يلتزم به لأن يكون مستريحاً في المعاصي في مقابل وجدانه القاضي بعصيانه و الحاكم باستحقاقه للمذمّة و العقاب، و قد قال اللَّه تعالى في حقّ منكري القيامة: «بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ» [١] و هكذا حال منكري الاختيار المتمسّكين بمذهب الجبر.
هذا كلّه ما استدلّ به الجبريون المعتقدون باللَّه.
و هناك وجوه اخرى للقول بالجبر
يشترك فيها كلتا الطائفتين الإلهيّون و المادّيون:
الوجه الأوّل: برهان التكرار
و هو أنّه لو كنّا مختارين في أعمالنا لوجب القدرة على تكرار الأعمال بعينها، فإذا ألقينا حجراً في موضع خاصّ و كان هو معلولًا لاختيارنا و إرادتنا فلنكن قادرين على إلقائه في نفس ذلك الموضع في المرّة الثانيّة مع أنّه نتخلّف عنه غالباً، بل قد يقع على نفس الموضع السابق صدفة.
و أجاب عنه المحقّق الطوسي (رحمه الله): بوجهين و لنا جواب ثالث لعلّه أدقّ منهما:
الأوّل: فهو النقض بأنّه قد يصدر عنّا أعمال تكراريّة متشابهة كحركة اليد و الأصابع.
[١] سورة القيامة: الآية ٥.