أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٩ - الأمر الثالث في اتّحاد الطلب و الإرادة
الباري تعالى مع موسى ٧ مثلًا عبارة عن أمواج صوتيّة خلقها اللَّه تعالى فظهرت على طور سيناء عن جانب الشجرة و سمعها موسى باذنيه، أو عبارة عن النقوش المكتوبة في كتابه الكريم بعد أن أوحى إليه ٦ جبرئيل. فكلّ من تلك الأصوات و هذه النقوش مخلوق من مخلوقاته و فعل من أفعاله الحادثة.
و أمّا الأشاعرة فوقعوا في حيص و بيص في تفسير قولهم و بيان مرادهم من كلام اللَّه، لأنّه لو كان المراد منه النقوش فلا ريب في حدوثها، و لذلك ذهبوا إلى أنّ للكلام معنيين كلام لفظي و كلام نفسي، و الكلام اللّفظي عبارة عمّا يجري على اللسان أو القلم و هو حادث، و الكلام النفسي عبارة عن المعنى الموجود في فؤاد المتكلّم (إنّ الكلام لفي الفؤاد و إنّما- جعل اللسان على الفؤاد دليلًا) و بالنسبة إلى الباري تعالى عبارة عمّا هو موجود في ذاته فيكون قديماً بتبع قدم ذاته، و حينئذٍ أورد عليهم من جانب الإماميّة و المعتزلة هذا السؤال: هل يكون الكلام النفسي بهذا المعنى غير علمه تعالى بالمفاهيم الكلّية و غير قدرته على إيجاد الأصوات (كما أنّ المراد بالسميع و البصير عبارة عن علمه بالمسموعات و المبصرات) فإن كان هو عينهما فلم تأتوا بشيء جديد، و إن كان غيرهما فما هو؟ فوقعوا في حرج و لم يأتوا بجواب واضح بل ادّعوا أنّ للَّه تعالى صفة اخرى غير القدرة و العلم تسمّى بالكلام النفسي.
هذا كلّه في الأخبار و الجمل الخبريّة.
و أمّا في الإنشاءات الواردة في القرآن الكريم كقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها» فقال المعتزلة أيضاً أنّ هذه النقوش أو الأصوات حادثة و حقيقتها هي إرادته تعالى و الإرادة من الصفات المعروفة، فلا يكون في البين أيضاً صفة جديدة قائمة بالذات غير الصفات المعروفة.
و أمّا الأشاعرة فادّعوا أنّ هنا صفة اخرى غير الإرادة تسمّى بالطلب، و هو من الصفات القديمة للباري تعالى قائمة بذاته.
فاجيب عنهم بأنّ الطلب هو نفس الإرادة و متّحد معها، و من هنا وقع النزاع بينهم في اتّحاد الطلب و الإرادة.
فظهر أنّ النزاع في ما نحن فيه نزاع ميتافيزيقي، له جذور في المباحث الكلاميّة و المشاجرات الاعتقاديّة بين الأشاعرة و المعتزلة، فلا يمكن أن يقال: «إنّ النزاع لفظي و إنّ من