أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٠١ - التنبيه الرابع في قيام المبدأ بالذات
الخامس: (و هو المختار) أن يجاب عنه بطرق ثلاثة كلّ واحد يجري في قسم من الصفات (على سبيل منع الخلو).
الطريق الأوّل: ما مرّ في مبحث الصحيح و الأعمّ في بيان القدر الجامع للصحيحي، من أنّ اللفظ وضع لما يكون منشأً للأثر المرغوب منه، فالساعة مثلًا وضعت لما يقدّر به الأوقات، و السراج وضع لما ينشأ منه الضياء لدفع الظلمة، و هما يصدقان على كلّ ما يكون سبباً لهذين الأثرين و لو اختلفت الموادّ و الهيئات كما يرى في الساعات المائيّة و الرمليّة و الكهربائيّة فلا شكّ في أنّ كلّها ساعة، و هذا المعنى صادق في قسم من صفات الباري كالسميع و البصير، فإنّ السميع مثلًا وضع لمن يكون محيطاً بالمسموعات، و البصير وضع لمن يكون محيطاً بالمبصرات، سواء كان ذلك بالآلة أو بدونها (فتأمّل).
الطريق الثاني: أن تكون مجازاً و لكنّه مجاز فوق الحقيقة بحيث تكون الحقيقة فيها قنطرة المجاز على عكس ما هو المعروف من أنّ المجاز قنطرة الحقيقة فإنّ استعمال العالم في اللَّه تبارك و تعالى و إن فرض مجازاً، و لكنّه مجاز أعلى من الحقيقة فإنّ العلم هنا عين الذات، لا أمر عارض عليه، فيكون المعنى المجازي أعلى و أشرف و أتمّ من المعنى الحقيقي، و لا ضير في الالتزام بذلك مع وجود القرينة، و وضوح المفهوم و هكذا الحال في ما يشبه العالم من الصفات كالقادر و غيره.
الطريق الثالث: النقل، بأن يقال بانتقال المعنى المحدود إلى المعنى الوسيع بعد كثرة استعماله في ذات الباري تعالى، فكان العالم مثلًا موضوعاً لما يكون المبدأ فيه غير الذات، لكن لكثرة استعماله في اللَّه عزّ و جلّ وضع تعييناً أو تعيّناً للأعمّ منه، و هذا أيضاً يجري في مثال العالم و القادر و ما أشبههما فتأمّل جيّداً.
التنبيه الرابع: في قيام المبدأ بالذات
لا إشكال في أنّ الوصف و الاتّصاف يحتاج إلى قيام المبدأ بذات لأنّه لو لم يكن المبدأ قائماً بالذات لا يتحقّق اتّصاف لذات دون ذات، بل يلزم اتّصاف كلّ ذات بكلّ وصف، و هذا واضح لا إشكال فيه، و لكن هاهنا أمثلة صارت منشأً للنزاع و الإشكال، ففي قسم منها مثل الضارب و المؤلم بالكسر، ليس المبدأ فيه و هو الضرب و الألم قائماً بذات الضارب و المؤلم، بل إنّهما قائمان