أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١١٣ - المختار في الجامع الصحيحي
خاصّة بل لهيئة خاصّة في الحصول على هذا الأثر، و لذلك نرى تغييرها من مادّة إلى مادّة و هيئة إلى هيئة (فتبدّلت الساعة الرملية مثلًا إلى المائيّة ثمّ إلى الرقّاصيّة ثمّ إلى الكهربائيّة) مع ثبوت الأثر المرغوب منها (و هو تعيين الوقت) و ثبوت الاسم الموضوع عليها أوّلًا و هو اسم «الساعة»، و هكذا بالنسبة إلى سائر المخترعات نظير المصباح و السيارة و البناء، فإنّ ثبات هذه الأسامي مع التغيير الكثير في المادّة و الهيئة من جميع الجهات يوحي إلينا أنّ ملاك التسمية في هذه المخترعات إنّما هو الآثار و الخواصّ المطلوبة منها، و حيث إنّ الأثر كان ثابتاً و باقياً على حاله بقى الاسم كذلك.
و إن شئت قلت: كما أنّ منشأ الاختراع و المحرّك نحوه يكون هو الأثر المطلوب منه و المترتّب عليه، كذلك في التسمية، فيلاحظ فيها ذلك الأثر من دون دخل لمادّة أو هيئة خاصّة.
إذا عرفت هذا فنقول: إنّ وزان المخترعات الشرعيّة وزان المخترعات العرفيّة، فإنّ الشارع مع ملاحظته الآثار و الخواصّ وضع الأسماء لمعانيها ففي الصّلاة مثلًا نظر إلى أثر النهي عن الفحشاء و المنكر مثلًا أو شيء آخر و جعل لفظة الصّلاة لكلّ مجموعة توجب هذا الأثر، سواء كانت صلاة المريض أو الصحيح أو كانت صلاة المسافر أو الحاضر أو صلاة الغريق أو غيرها، فلا مانع من إطلاق الصّلاة حتّى على صلاة الغريق إذا تحقّق بها ذلك الأثر، كما أنّه لا دخل للمعرفة بهذا الأثر بعينه و العلم به تفصيلًا بل يكفي العلم إجمالًا بأنّ صدور هذه المجموعة العباديّة من الشارع كان لأثر خاصّ و مصلحة خاصّة، فالفرق بينها و بين المركّبات العرفيّة أنّ الأثر الذي يدور عليه رحى التسمية معلوم مشهور و لكن أثر العبادات غير معروف لنا إلّا بمقدار ما بيّنه الشارع، فهو العالم بترتّبه على أفرادها بعرضها العريض.
نعم يمكن أن يكون لهذا الأثر مراتب مختلفة بعدد مصاديق للصّلاة مختلفة نظير مراتب النور في الأفراد المختلفة للمصباح، و لكن هذا التفاوت الرتبي لا يضرّ بالاطلاق و التسمية، فلو كان كلّ صلاة صحيحة من كلّ إنسان يترتّب عليها بعض مراتب النهي عن الفحشاء بنظر الشارع المقدّس كفى في إجرائه التسمية على جميعها. فقد ظهر إنّ القدر الجامع في المقام يدور على أساس وحدة الأثر، فهو في كلّ عبادة مجموعة من الأجزاء و الشرائط التي توجب الأثر المترقّب منها بنظر الشارع المقدّس.