الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٥٩٠ - مهاجرات الحبشة
..........
بحظهم من الدنيا، و ضيّع أهل الدنيا حظّهم من الآخرة، فاختلفوا فى سعى الدنيا، و استووا فى عدل الآخرة، و قد صغّر هذا الأمر عندك أنا أتيناك به، و قد و اللّه جاءك من حيث خفت، و ما تصغيرك إيّاه بالذى يدفعه عنك، و لا تكذيبك به بالذى يخرجك منه، و فى وقعة ذى قار على ذلك دليل، فأخذ الكتاب فمزّقه، ثم قال: لى ملك هنىء لا أخشى أن أغلب عليه، و لا أشارك فيه، و قد ملك فرعون بنى إسرائيل، و لستم بخير منهم، فما يمنعنى أن أملككم، و أنا خير منه، فأما هذا الملك، فقد علمنا أنه يصير إلى الكلاب، و أنتم أولئك تشبع بطونكم، و تأبى عيونكم، فأمّا وقعة ذى قار، فهى بوقعة الشّام. فانصرف عنه عبد اللّه. و إنما خص النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- عبد اللّه بن حذافة بإرساله إلى كسرى، لأنه كان يتردد عليهم كثيرا و يختلف إلى بلادهم، و كذلك سليط بن عمرو كان يختلف إلى اليمامة، قال وثيمة: لما قدم سليط بن عمرو العامرى على هوذة، و كان كسرى قد توّجه، قال: يا هوذة إنك سوّدتك [١] أعظم حائلة، و أرواح فى النار، و إنما السيد من منّع بالإيمان ثم زوّد التّقوى، و إن قوما سعدوا برأيك فلا تشق به، و إنى آمرك بخير مأمور به، و أنهاك عن شرّ منهىّ عنه، آمرك بعبادة اللّه، و أنهاك عن عبادة الشيطان، فإن فى عبادة اللّه الجنة و فى عبادة الشيطان النار، فإن قبلت نلت ما رجوت، و أمنت ما خفت، و إن أبيت فبيننا و بينك كشف الغطاء، و هول المطلع [٢]، فقال هوذة: يا سليط سوّدنى من لو سوّدك شرفت به، و قد
[١] فى الأصل: إنه سودت: و التصويب من المواهب ص ٣٥٥ ح ٣.
[٢] فى الأصل: و هو المطلع، و التصويب من المرجع السابق.