الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٤٣١ - شعر فى هجاء حسان و مسطح
..........
النبيّ (صلى الله عليه و سلم) فى قتل أبيه من أجل تلك المقالة، و فى هذا العلم العظيم و البرهان النّيّر من أعلام النّبوّة، فإن العرب كانت أشدّ خلق اللّه حميّة و تعصّبا، فبلغ الإيمان منهم و نور اليقين من قلوبهم إلى أن يرغب الرجل منهم فى قتل أبيه و ولده، تقرّبا إلى اللّه، و تزلّفا إلى رسوله، مع أن الرسول- (عليه السلام)- أبعد الناس نسبا منهم، و ما تأخر إسلام قومه و بنى عمّه و سبق إلى الإيمان به الأباعد إلّا لحكمة عظيمة، إذ لو بادر أهله و أقربوه إلى الإيمان به، لقيل: قوم أرادوا الفخر برجل منهم، و تعصّبوا له، فلما بادر إليه الأباعد، و قاتلوا على حبّه من كان منهم أو من غيرهم، علم أن ذلك عن بصيرة صادقة و يقين قد تغلغل فى قلوبهم، و رهبة من اللّه أزالت صفة، قد كانت سدكت [١] فى نفوسهم من أخلاق الجاهلية لا يستطيع إزالتها إلا الذي فطر الفطرة الأولى، و هو القادر على ما يشاء، و أما عبد اللّه بن عبد اللّه، فكان من كتّاب النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- و كان اسمه حباب، و به كان يكنّى أبوه، فسماه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عبد اللّه، مات شهيدا باليمامة رضى اللّه عنه، و روى الدّارقطنيّ مسندا أن النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- مرّ على جماعة فيهم عبد اللّه بن أبىّ فسلّم عليهم، ثم ولىّ، فقال عبد اللّه: لقد عنا ابن أبى كبشة فى هذه البلاد، فسمعها ابنه عبد اللّه، فاستأذن النبيّ (صلى الله عليه و سلم) فى أن يأتيه برأس أبيه، فقال: لا، و لكن برّ أباك و ذكر ابن إسحاق فى هذا الخبر أن النبيّ (صلى الله عليه و سلم) حين بلغته مقالة
[١] لزمت.