الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٩٠ - ذكر من قتل من المشركين يوم أحد
..........
شاهدا لهم، فمن هاهنا اتصل الفعل بعلى، فتقوّى هذا الوجه من جهة الخبر، و من وجه آخر من العربية، و هو أن النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- حين ذكر الشهداء قال: و المرأة تموت بجمع [١] شهيد، و لم يقل شهيدة، و فى رواية أخرى قال: و النّفساء شهيد يجرّها جنينها بسرره إلى الجنّة، و لم يقل:
شهيدة و فعيل إذا كان صفة لمؤنّث كان بغير هاء إذا كان بمعنى مفعول، نحو:
امرأة قتيل و جريح، و إن كان بمعنى فاعل، كان بالهاء كقولهم: امرأة عليمة و رحيمة، و نحو ذلك، فدل على أن الشّهيد مشهود له، و مشهود عليه، و هذا استقراء من اللغة صحيح، و استنباط من الحديث بديع، فقف عليه [٢].
[١] أى: تموت و فى بطنها ولد. أو التي تموت بكرا، و الجمع بالضم بمعنى المجموع كالذخر بمعنى المذخور، و كسر الكسائى الجيم، و المعنى: أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة.
[٢] «الشهداء جمع شهيد، و بين الرازى أنه لا يجوز أن يراد بالشهيد هنا من قتله الكفار فى الحرب، لأن الشهادة مرتبة عالية عظيمة فى الدين و كون الإنسان مقتول الكافر ليس فيه زيادة شرف. لأن هذا القتل قد يحصل فى الفساق، و من لا منزلة له عند اللّه تعالى، و لأن المؤمنين يدعون اللّه تعالى أن يرزقهم الشهادة، و لا يجوز أن يطلبوا منه أن يسلط عليهم الكفار يقتلونهم، و لأنه ورد إطلاق لفظ الشهيد على المبطون و المطعون و الغريق، قال: أى الرازى: فعلمنا أن الشهادة ليست عبارة عن القتل، بل نقول: الشهيد فعيل بمعنى الفاعل، و هو الذي يشهد بصحة دين اللّه تعالى تارة بالحجة و البيان، و أخرى بالسيف و السنان، فالشهداء هم القائمون بالقسط، و هم الذين ذكرهم اللّه فى قوله:
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ) آل عمران: ١٨-