الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٥٤٨ - مهاجرات الحبشة
..........
يفدى الإنسان بنفسه من يجوز عليه الفناء.
استعمال الكلمة فى غير موضعها:
و أقرب ما قيل فيه من الأقوال إلى الصّواب أنها كلمة يترجم بها عن محبة و تعظيم، فجاز أن يخاطب بها من لا يجوز فى حقّه الفداء، و لا يجوز عليه الفناء قصدا لإظهار المحبة و التعظيم [١] له، و إن كان أصل الكلمة ما ذكرنا، فربّ كلمة ترك أصلها، و استعملت كالمثل فى غير ما وضعت له أوّل، كما جاءوا بلفظ القسم فى غير موضع القسم، إذا أرادوا تعجبا و استعظاما لأمر، كقوله (عليه السلام) فى حديث الأعرابى من رواية إسماعيل بن جعفر. أفلح و أبيه إن صدق، و محال أن يقصد (صلى الله عليه و سلم) القسم بغير اللّه تبارك و تعالى، لا سيّما برجل مات على الكفر، و إنما هو تعجب من قول الأعرابى، و المتعجّب منه هو مستعظم، و لفظ القسم فى أصل وضعه لما يعظّم، فاتّسع فى اللفظ حتى قيل على هذا الوجه. و قال الشاعر:
فإن تك ليلى استودعتنى أمانة* * * فلا و أبى أعدائها لا أخونها
لم يرد أن يقسم بأبى أعدائها، و لكنه ضرب من التعجّب، و قد ذهب أكثر شرّاح الحديث إلى النسخ فى قوله أفلح و أبيه، قالوا نسخه قوله (عليه السلام): لا تحلفوا بآبائكم، و هذا قول لا يصح، لأنه لم يثبت أن النبيّ (صلى الله عليه و سلم)- كان يحلف قبل النّسخ بغير اللّه، و يقسم بقوم كفّار، و ما أبعد هذا من شيمته- (صلى الله عليه و سلم)- تاللّه ما فعل هذا قط [٢]، و لا كان
[١] هذا كلام محمد بن على بن عمر التميمى المازرى.
[٢] هذا كلام ممتاز لأن القسم بغير اللّه كفر.