أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٣ - حكم الساحر
المقام الثاني: طريق ثبوت موضوع هذا الحكم كسائر الموضوعات يكون هو الإقرار والبيّنة، ومقتضى القاعدة كفاية الإقرار مرّة واحدة، ولكن احتمل البعض اعتبار التعدّد وجعله صاحب «التحرير» أحوط، والوجه فيه ما مرّ سابقاً من كون التعدّد ثابتاً في هذه الأبواب، مضافاً إلى قيام كلّ إقرار مقام شهادة واحدة، ولكن لا يكفي شيء منهما، اللهمّ إلا أن يقال: إنّ هذا المقدار كافٍ في حصول الشبهة الدارئة.
وقد يتمسّك هنا بقاعدة الاحتياط في الدماء، وأورد عليه صاحب «الدرّ المنضود»: «بأنّ الأمر دائر بين المحذورين فكما يحتمل أن يكون القتل في المرّة الأولى حراماً يحتمل أن يكون واجباً»[١].
اجيب عنه: بأنّ الاحتياط نسبيّ من جهة الأخذ بأقلّ المحذورين، فتدبّر.
وقد يتوهّم أنّ طريق إثبات الموضوع هنا منحصر في الإقرار لأنّ شهود الشاهد فيه غير ممكن بعد خفاء الأمر في باب السحر وعدم العلم بتأثيره، ولكنّه عجيب، كيف وقد صرّح الكتاب العزيز بشهود جمع كثير سحر سحرة فرعون بعد إلقاء حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أنَّهَا تَسْعَى[٢]، وكفى مثلًا على ذلك في الشهود والشهادة، ولا زال سحر السحرة مشهوداً للناس يعرفه كثير منهم فكيف لا يمكن الشهادة عليه؟
نعم، لا يجوز الشهادة عليه بمجرّد الحدس والظنّ وشبه ذلك، واعتبار البيّنة هنا للعمومات ممّا مرّ من رواية زيد بن علي[٣] ومثله ما رواه صاحب
[١]. الدرّ المنضود ٢٨٠: ٢.
[٢]. طه( ٢٠): ٦٦، وسيأتي معنى قوله تعالى: يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنّهَا تَسْعَى إن شاء الله.
[٣]. وسائل الشيعة ٣٦٧: ٢٨، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات، الباب ٣، الحديث ١.