أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٣ - حكم التوبة هنا
كفاية التوبة فيما بينه وبين الله قبلها.
٢- وقد يستأنس للمطلوب بأنّ المقصود من إجراء الحدّ هو انتهاء المجرم عن جرمه فإذا تاب وصلح فلا يبقى سبب لتعذيبه لا بالنسبة إليه ولا بالنسبة إلى غيره، بل ربّما يكون سقوط الحدّ حينئذٍ أكثر تأثيراً في انتهاء المجرمين، ولولا ذلك كان إغراءً للمجرمين في جرائمهم لأنّه يعلم بإجراء الحدّ عليه كلّما وجد واقيمت عليه البيّنة ولا تنفعه التوبة، فلا يبالي بتكرّر الجرم، فتدبّر.
بقي هنا شيء:
وهو أنّه ما المراد من التوبة هنا؟ هل هو مجرّد إظهار الندامة مع أنّها حاصلة في جميع موارد الإقرارات الحاصلة من خوف عذاب الله تعالى يوم القيامة؟ فلماذا أجرى النبي (ص) والوصيّ (ع) الحدّ على أمثال هؤلاء؟- كما يظهر من روايات الشيعة وأهل السنّة- ولا شكّ أنّ أمثال هؤلاء كانوا نادمين على فعلهم تائبين إلى الله تعالى، فإن كان الحدّ ساقطاً بالتوبة لم يجز إجراؤه في حقّهم.
والذي يدفع الإشكال أنّ المراد من التوبة هنا ليس مجرّد الندم، بل آثارها في حياته كما صرّح بها في رواية جميل حيث قال: «إذا صلح وعرف منه أمر جميل» حتّى أنّ ابن أبي عمير لمّا سأل عن حكم الغريب الذي لا يعلم حاله، قال[١]: «لو كان خمسة أشهر أو أقلّ وقد ظهر منه أمر جميل لم يقم عليه الحدّ» فاللازم ظهور أمر بيّن منه يدلّ على تركه هذه الامور قبل رجوعه إلى القاضي وقيام البيّنة في حقّه.
وقد ظفرنا بعد ذلك ببعض كلمات أصحابنا الأقدمين يدلّ على تفسير التوبة بهذا المعنى، فقد نقل في «المختلف» عن أبي الصلاح ما نصّه: «وإذا تابا أو
[١]. المسؤول عنه يمكن أن يكون الإمام( ع) أو جميل بن درّاج.