محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٤٨ - الخطبة الأولى
هذه الأمثلة والنماذج التي لا تعدّ و لا تحصى تعطيك أن قدرة الله عزّ وجلّ بلا حدود، وأنّ قدرته لا يعتريها عجز، فمن أين استكثارك على الله عزّ وجلّ من منشأ العقل، ومن منشأ التجربة أن يخلق خلقا جديداً، وأن يبعث جسدا بالياً؟!
إذاً ما القضية؟ لا منشأ على مستوى العقل، ولا تجربة عند الإنسان تقول له بأن الله عاجز عن الخلق، بل الأمثلة التي لا تعدّ ولا تحصى تضع الإنسان أمام هذه الحقيقة الصارخة، وأن قدرة الله عزّ وجلّ مطلقة نافذة، فمن أين جاء الإنسان هذا التشكيك في الخلق الجديد؟ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ هذا الالتباس على العقل، هذه الضبابية في رؤية النفس، هذه الأمور التي تهزّ يقين الإنسان باليوم الآخر إنما منشؤها سقطات هذا الإنسان، وزلاته، وتعدّياته، وظلمه، ونأيه عن الحقّ بدرجة وأخرى حتى إذا كثرت سيئاته اظلمّت نفسه، وران على قلبه، فلم يجد الواضح واضحاً، ولا الجليّ جليّاً.
أما فطرة الإنسان، وقبل أن تتلوّث بآثار الذنوب، فهي ناطقة بأنّ الله عزّ وجلّ على كلّ شيء قدير، ولا استبعاد في الفطرة وبحسبها أن يعيد الله عزّ وجلّ هذا الخلق بعد أن أنشأه النشأة الأولى.
وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٣.
عودة الخلق تأتي طبيعيّة جدا في سياق بدئه وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ولا استكثار، ولا شكّ، ولا لبس، ويكون الطريق مفتوحا جدا أمام العقل والقلب لاستقرار هذه الحقيقة فيهما، وهي حقيقة القدرة على إعادة الحياة بعد أن تأكّد من بدء الخلق.