محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٨٢ - الخطبة الأولى
فهذه جملة كلمات من أمير المؤمنين عليه السلام تدفع بنا على طريق التفكّر والتأمّل والنظر ومحاكمة القضايا في كل أنواعها.
«كانأكثر عبادة أبي ذرّ رحمة الله عليه التفكّر والاعتبار» [١] ٤.
التفكّر في النِّعم، في النِّقم، في آيات الآفاق، في آيات الأنفس، في المبدأ والمصير، في الآيات المقروءة، في التاريخ، في تحوّلات الحياة والاجتماع، في ما يمرّ عليه مما كان يتنافس عليه النّاس بالأمس، ويتقاتلون عليه، ويدخلون في معارك طاحنة من لقمة عيش استُغني عنها، أو ثوب بالٍ آل أمره إلى المزبلة، أو سيّارة فاخرة صار مزهوداً فيها، أو حتّى قصر مشيد تحوّل إلى خربة.
هو هذا ما يتنافس عليه المتنافسون من أهل الدنيا، وما عليه التقاتل، وما عليه العداوة، وكثيراً ما هدم هذا التنافس علاقات رحمية متينة، وتقاتل عليه الإخوان والأقرباء من الناس. حين تفكّر تجد أنما استهدفك واستقطبك من لذائذ دنيويّة صار مآله إلى المزابل والقُمامات، وإلى منظر تفّر منه النفس، والنفسُ تنفر وتفرُّ من أفخر مائدة مرّ عليها يومان في المزبلة، والنفس تزهد في لقمة لذيذة بعد مضغها، والنفسُ تزهد فيما يخرجه البطن من بقايا أكل من أسفل أو أعلى وهذا ما يتنافس عليه النّاس. إذا فكرنا هذا التفكير، وتأمّلنا هذا التأمل فلن تنال منا الدنيا الإعجاب الكثير، ولن يحّل الهدف الدنيوي الصغير محل الهدف الأخروي الكبير، ولن نكون عبيدا لأهل الدنيا من دون الله تبارك وتعالى تَهافتا على ما في أيديهم.
[١] المصدر نفسه، ص ٥٤٢.