محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٨٣ - الخطبة الأولى
نعم، كان أبو ذر يمرّ بالمقابر فيقف عندها، يتأمّل في الجمال المدفون، في القوّة العضلية المبعثرة، في الفكر المتقدّم لدماغٍ أنتج الكثير فإذا بالدماغ المنتج يتحوّل إلى تراب، أو إلى صديد قبل ذلك.
في المقابر عبرة، في المقابر أبطال، في المقابر جمال فتّان، في المقابر أصحاب فكر عملاق، في المقابر أشرار وأخيار، في المقابر من أقاموا دولًا، ومن قادوا جيوشاً، ومن حقّقوا الانتصارات، في المقابر من استقطبوا قلوب الملايين، ولكن كلّ ذلك لم يجدِ ولن يجدي لأحد، وإذا كانت هذه النهاية فلابد من التفكّر في قيمة هذه الحياة، وفيما يستقبل الإنسان بعدها.
أبو ذر كان يمرّ بزينة الحياة في عنفوانها، في بهرجها وزخرفها، ويفكّر إلى متى تبقى هذه المفاتن؟ وأيّ يوم ينتظر هذه الفاتنة، أو هذا البطل، أو هذا الملك، أو هذا القائد، أو هذا الحاكم، أو هذا العالم؟
يستوقفه منظر هرم كيف ولّى عنه شبابه، ويستوقفه منظر شاب مفتول العضل، وأنه إلى كم ستبقى له قواه، وكم سيبقى مخموراً بقوّة شبابه. وما يدريك ما يختمر في داخل ذلك الشّاب البطل من مرض يُهدّد حياته؟! يمرّ بالطفل الوليد فيراه أنه بدأ رحلته للآخرة ومفارقة الدنيا، يمرّ بالجمال الذي تعجُّ به ملامح ومعالم وجه، يمرّ بصباحة وجوه، وبفتنة وجوه فيقف قليلا ليعلم بأن هذا الجمال لا يبقى، وأن الشيخوخة تأتي عليه، وأن غرور الجميل بجماله لا بد أن يذهب. كلُّ الأرصدة في يد هذا الإنسان من قوّة، من جمال، من مال، من شهرة لا يبقى منها شيءٌ.