محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٦٢ - الخطبة الأولى
إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ١ الإنسان بطبيعته، وقبل أن ينتمي إلى قضية الإيمان، الإنسان بحسب ضعفه، الإنسان لو خُلّي ونفسه من غير أن تصوغه التربية الإلهية يطغى حال يستغني، لا يملك نفسه أمام حالة الغنى، يعيش الوهم، يصاب بالغرور، يصل فقده للعقلانية والعقل إلى حد الجنون فيتفرعن أن وجد بيده شيئا من مال. هذا ما يدل عليه ظاهر الآية الكريمة.
وهناك فهم آخر يدل على أن الآية تصور طغيان الإنسان لتصوره أنه استغنى، فمن تصور أنه استغنى بذاته عن ربّه، وانقطعت حاجته إليه بأن كان عنده مال أو كانت عنده صحة، أو كان عنده جاه، أو كان له سلطان فهو مصاب بالطغيان.
نعم، إن ظرف الغنى ليهز النفس ويتحداها، وقد يقتلعها من مستقرها لتكون هباءة في مهب الريح، لكنها النفس التي لم تؤمن بالله، ولم تتربّ التربية الإلهية المعصومة، والمعطية للعصمة.
وما أكثر الوهم وأشده عند أناس كثيرين أن يجدوا عطاءات الله تتدفق عليهم مالًا وبنين فيحسبون أن ذلك لكرامة لهم على الله عزّ وجلّ، وقد يكون إمداد الله للعبد- وهو عاصٍ- بالمال والبنين عقوبة أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ٢ لو شعروا لوجدوا أن في هذا العطاء المتدفق إنذاراً شديداً، واستدراجا إلى عاقبة سوء.