محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٩٢ - الخطبة الأولى
" (كان من دعاء عليّ بن الحسين عليهما السّلام في الرّضا إذا نظر إلى أصحاب الدّنيا) ... واعصمني من أن أظنّ بذي عَدَمٍ خساسةً، أو أظنّ بصاحب ثروةٍ فضلًا، فإن الشّريف من شرّفته طاعتك، والعزيز من أعزّته عبادتك" ٢.
يحسّ بطعم الغنى ويستذوقه، من كانت صلته بالله عزّ وجلّ قويّة، ولا تقوى الصلة بالله عزّ وجلّ إلا من خلال طاعة مخلَصة، وعبادة واعية. فطاعة الله عزّ وجلّ وعبادته تغني النفس، وتثريها بالشعور بالكرامة، والشعور بالثّقة، والشعور بالعلوّ حتّى تقف نفس الفقير الغنيّة بصلتها بالله عزّ وجل أشمخ من شامخ أمام غنى الأغنياء، وثراء الأثرياء، وإنّك لتجد غنيّاً يذلُّ أمام حفنة من مال، وفقيراً يكبر على المواقف الصعبة وعلى كل المغريات والتحديات. شخصٌ يملك الملايين فلا يثبت أمام فرصة مليون جديد، وفقير ذاكر لله عزّ وجلّ، غنيٌّ بصلته بالله سبحانه وتعالى لا يأبه بالملايين فضلًا عن أنه لا ينهزم أمانها، فتراه لا يلين، ولا يأسَى لفوات كل الملايين التي تتحدّى دينه، وتريد أن تشتري منه دينه، ويبقى على دين قويم.
وفي نفس السياق:" من أراد أن يكون أغنى النّاس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يد غيره" ٣.
لأن ما في يد غير الله نافد، والغير يموت، ويتبدّل كرم الغير بخلًا، وتتبدّل شفقته قسوة، الآخر قلب متقلّب وأحوال متقلّبة، أما الذي لا يتغيّر وجوده، ولا يمسّ غناه فقر، وهو دائم الرأفة والرحمة بعباده فهو الله سبحانه وتعالى.
" من استغنى بالله افتقر النّاس إليه" ٤.