محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٢٦ - الخطبة الأولى
تكون نصرانيّاً، قبل أن تكون يهوديا، قبل أن تكون مسلماً ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ أنت تعرف بفطرتك، وضميرك، ووجدانك، وعقلك أنّك عبدٌ، وأنّ ربّك الله، ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، في التفسير ما غرّك بمعنى ما جرّأك، وفي اللغة: ماغرّك بفلان: كيف اجترأت عليه، واغتررت به؟.
ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ هذا التجرّأ والتبجّح هل له من سبب معقول؟ التجرّأ يكون مرّةً له موضوعه، وله خلفيّته الصحيحة، ومرّةً لا يكون واجداً شيئاً من الأسباب أساساً، والمعصية تجرُء على الله، واتّخاذ منهج غير منهج الله جرأة أكبر على الله، ومواجهة الله عزّ وجلّ بمواجهة دينه، وأوليائه المؤمنين، والإضرار بعباده، ونشر الفساد في الأرض جرأة ما أعظمها من جرأة على الله. الفسوق جرأة، العصيان جرأة، محاربة دين الله عز وجلّ جرأة، والإنسان كثير منه من يمارس كلّ ذلك.
سؤال تعجيبي، سؤال استنكاري ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ أتتجرأ على من هو ربّك بيده كان أولُ خلقك، بيده كانت بدايتك، وبيده استمرارك؟! أجرأة على الله الذي خلقك ودبّرك ورزقك، وكل شيء منك مملوك له، ولا تعبر لحظة من لحظات الزمن وجوداً وحياة إلا بمدده؟! أجرأة على من يملك عليك، قلبك، كل خليّة من خلاياك، كل ذرة من ذراتك، كل لحظة من لحظاتك؟! أجرأة في محلّها؟! أم هي جرأة عن جنون، عن غفلة، عن خديعة نفس، عن خديعة شيطان، عن نسيان، عن جهل؟!
وأي رب هو تبارك وتعالى هو الربّ الكريم الذي يعطي بلا حساب، وبلا ترقّب جزاء، وبلا حاجة إلى ثواب.