محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١١٥ - الخطبة الأولى
أمام متاعب الآخرة، والعقل الحصيف يدلّ أهله على أن يكون شغلهم للآخرة لا أن يكون شغلهم للدنيا، وإنما يأخذون من الدنيا ما يُصلح ذواتهم وآخرتهم.
تقول الكلمة عن حكيم لا يُشكّ في حكمته عليٍّ عليه السلام:" شتّان بين عملين: عمل تذهب لذّته، وتبقى تبعته ٧، وعمل تذهب مؤنته ويبقى أجره" ٨.
إذا كان في الصلاة، في الحج، في الصوم، في الجهاد، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مؤونة، فإن هذه المؤونة لا تبقى، أما أجرها فلا ينفد، وهو باقٍ ما بقيت السماوات والأرض في هذه الحياة، وما بقي فوق وتحت في الآخرة.
كمٌّ ضئيل من شهوات الحياة يطلبه صاحبه عن طريق الحرام يخلّده في النّار؟!
وحسناتٌ قلائل تصفو له من بعد حساب تخلّده في نعيم جنّة. منهج الله سبحانه علينا أن لا نزيده ولا ننقصه، منهج الله كامل، ولا خلل فيه ليأتي واحد من عبيد الله يسدّ ذلك الخلل، أو يُكمل ذلك النقص، أو يُعالج ذلك العيب.
" خطب رسول الله عليه السّلام في حجّة الوادع فقال: يا أيّها النّاس والله ما من شيءٍ يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النّار إلّا وقد أمرتكم به وما من شيءٍ يقرّبكم من النّار ويباعدكم من الجنّة إلّا وقد نهيتكم عنه ..." ٩ الحديث عن الباقر عليه السلام.
والعمل لا يمكن أن تكون له قيمة صالحة إلا من خلال المنهج الصالح. عمل خارج المنهج الصالح لا يأتي صالحاً، ولا يأتي حكيماً، ولتبحث الدنيا كلّها عن مصدر للتشريع كالله عزّ وجلّ فلن تجد. بلداننا كلّها تطلب التشريع من أمريكا ومن فرنسا، ومن عقول بشرية محدودة أيّاً كانت، وتشريع الله بين يدي هذه الأمّة.