محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٧٧ - الخطبة الأولى
٣. وإن إهمال الإنسان التفكير في الغاية من الحياة أو التّخلّي عن مراعاتها عملًا، والتعامل مع الحياة الدنيا منقطعة عن السياق الكوني العام الهادف، ومبتورة عن الامتداد الأبدي وعن صلتها بالحياة الأخرى، وهدف التحضير لها، والاشتغالَ بالأهداف الصغيرة واللّذات العابرة في إطارِ الحياة الدنيا لعبٌ واضح، وعقلية عبثيّة ستُواجِه صدمة قاسية بموافاة الأجل المحتوم الذي يُفضي إلى الحياة اللاحقة وينتقل بنا مرحليّاً إلى يوم المعاد الذي لا موت بعده ولا نفاد.
٤. ولا يقوم لعبٌ مقام جدّ، ولا وهمٌ مقام حقيقة، ونتيجة هذا وذاك لا تستويان؛ فبيتُ اللعب لا يُغني عن بيت الجد، وطائرة اللعب، وسفينة اللعب، وسيارة اللعب، لاتقوم مَقام ما للجدّ من هذه الأشياء، ومثل ذلك مزرعة اللعب، وأكل وشرب اللعب، وسباحة اللعب. وأيُّ شيء هو للعب ومن صناعته، ومن وحيه لا يسمن ولا يغني عما كان من صناعة الجد ووحيه وبهدفه.
فحياةٌ تُتّخذ لعباً وهزواً وعبثاً وتنفصل عن وعي الآخرة وهمها وهدفها والاستعداد والإعداد لها لا يمكن أن تُحقِّق غاية الحياة التي يقتضيها الخلق وهيّأ الحياة للإنسان من أجلها الخالقُ.
المشروع الثقافي الضخم، والمشروع الاجتماعي العملاق، والمشروع السياسيّ الهائل، وكلُّ المشاريع الأخرى الكبيرة والمتميّزة والتي هي من جِدِّ الدنيا، ومن ميادين السِّباق الصارم بين أهلها، وإسقاطُ دولة وإقامة دولة مكانها كلُّ ذلك ما انفصل عن النظر إلى الآخرة وغايتها لعب وعبث بلحاظ ما للحياة كلها من هدف تنادي به فطرة الإنسان،