محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٩٤ - الخطبة الأولى
وكل ما في الدّنيا لا يملأ عينيه؟! ولو ترك الفضول لشعر بالراحة، ولوجد أن القليل من المال يكفيه.
اطلب الكثير من المال لصلاح حياتك وحياة مجتمعك، ولكن لا تكن في يوم من الأيام أسير شهوة. فحتّى الشهوات الحلال لا تكن أسيراً لها فتندك وتهلك. يأتي الشاب يشتكي من أنّ من وقعت في ذهنه تمتنع عن قبول الزواج به وإنه في محنة من ذلك. إنك توقع نفسك في شبك، توقع نفسك في مصيدة، في زنزانة، لماذا تأسر نفسك هذا الأسر؟! ولماذا تملّك قلبك لفتاة لها حريتها؟! ولماذا تملّكين قلبك فتى له حريته؟! ولماذا لا تكون إلا هذه الوظيفة؟! ولماذا لا تكون إلا تلك السيارة؟! ولماذا لا يكون إلا ذلك البيت؟ أنت هنا تبيع نفساً، تبيع حياة، تبيع حاضرا ومستقبلا لبيت من نوع معيّن، لفتاة معيّنة، تلك تبيع نفسها لحب فتى معيّن، كن الحرّ؛ وأقسى عبوديّة أن يكون أحدنا عبدا في داخله لشعور من المشاعر الرخيصة، ولرغبة من الرغبات الفانية، وشهوة من الشهوات المذلة.
" (من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام لأبي ذرّ لمّا أُخرج إلى الرّبذة): ما أحوجهم إلى ما مَنَعْتَهُم، وما أغناك عمّا منعوك! وستعلم من الرّابح غداً" ٦.
منعوك دنيا، وشحّوا عليك بمال، طردوك من أرض، وما كان أبو ذر من طلّاب المال ولا الدّنيا، وما كان يجد أحد النّاس أنه قادر على تهديد تماسك أبي ذر، وصلابة أبي ذر، وشموخ أبي ذر بحرمان من فرصة مال، وبحرمان من فرصة دنيا، لكن الإنسان يحتاج إلى موطن، إلى بعض أشبار من الأرض تحمله في مجتمع من الناس، وقد منعوه، هذا، وما منعوه فيما يرى علي عليه السلام إلا رخيصاً، ودونيّاً رخيصاً، منعوه دونيّة، وماذا كانوا يطلبون