محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٣٥ - الخطبة الأولى
هذه النقلات، هذه التطورات، هذه الوجودات المرحلية من أعطاها للإنسان؟ أليس الله تبارك وتعالى؟! هنا قدرة وحكمة، كل مرحلة سابقة من المراحل المذكورة تمهّد للمرحلة اللاحقة، والمرحلة اللاحقة تمثّل الغاية للمرحلة السابقة، وعلى هذا المنوال فمرحلة هذه الحياة الدنيا إنما هي مرحلة مقدّمية لحياة أخرى تتمّ بها غاية الخلق. وهذا مما يدل عليه ارتباط كل مرحلة من مراحل وجود الانسان في الدنيا بغاية يكون تطورها على طريق تلك الغاية والوصول إليها.
إنه لو كانت نطفة بلا أن تجد سبيلها للتحرّك والتطوّر حتى تكون علقة، ثم أن تكون مضغة، وهكذا، لكانت النطفة بلا غاية، ولو لم تؤدِّ العلقة إلى المضغة لكانت العلقة بلا غاية، فكيف إذا استوى الإنسان واكتمل في هذه الحياة تحوّل إلى تراب وإلى شيء منسيٍّ تماما فعاد الى وجود من الوجود اللعب وبلا غاية؟!
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ٧.
ماءٌ كان يمكن جدّاً أن يضيع في ما تحتويه المزابل أو المراحيض، هذا الماء الهيِّن الحقير يتحول إلى هذا الإنسان ذي الشأن الخطير، هذا الوجود السامق، المتحرّك الفعّال، المريد، الشاعر، من صنع كل هذا؟ استنطاق للفطرة، وكل الآيات في هذا المجال تستنطق الفطرة، ليقف الإنسان أمام هذا الاستنطاق لا يستطيع أن يعطي جواباً غير الجواب الذي استهدفته الآيات.