محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٧٩ - الخطبة الأولى
محاولة الخروج من ظرف الفقر إلى ظرف الغنى ولكن من غير أن تغيم الحياة في ناظريها، لما لها من قلب موصول بالله، واثق بعدله ورحمته ورأفته.
" أوحى الله تعالى إلى داود عليه السّلام: ... وضعت الغنى في القناعة وهم ١١ يطلبونه في رضا النّفس فلا يجدونه" ١٢.
النفس المتعلّقة بالدنيا ليس في الدنيا ما يكفيها، ولا الدنيا بكاملها تكفيها، ولو ضُوعفت الدنيا أضعافاً كثيرة، وبقيت النفس تبحث عن غنىً تستقلّ به عن الله عزّ وجلّ، ويقوم اعتمادها عليه دون الله ما وجدت، فتبقى متعبة قلقة مهمومة، تعيش السخط، وتتمزق في داخلها.
أين يجد امرؤ غناه؟ يقول الحديث هنا أنه يجده في القناعة، ونفس تقنع برغيف من خبز، ونفس تكون عندها النعم أكداساً، وأرصدتها تملأ المصارف إلا أنها وهي لا تثق بالمستقبل، ولا ترى قدرة الله على الرزق ورحمته وعلمه تضطرب، وإن لم تضطّرب بما يتصل بعمرها فهي تضطّرب وتقلق كل القلق من أجل الولد وولد الولد.
هذا الحديث مهم، نصغي إليه إن شاء الله:" إنّ رجلًا جاء إلى سيّدنا الصّادق عليه السّلام فشكى إليه الفقر، فقال: ليس الأمر كما ذكرت ١٣، وما أعرفك فقيراً، قال: والله يا سيّدي ما استبنت ١٤، وذكر من الفقر قطعة ١٥، والصّادق عليه السّلام يكذّبه ١٦- إلى أن قال- خبِّرني لو أعطيت بالبراءة منّا مائة دينار، كنت تأخذ ١٧؟ قال: لا، إلى أن ذكر أُلوف دنانير ١٨، والرّجل يحلف أنّه لا يفعل، فقال له: من معه سلعة يُعطى هذا المال لا يبيعها، هو فقير؟!" ١٩.