محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٧٧ - الخطبة الأولى
حيثية، وعلى مستوى نفوس، وهو سبب طغيان وتفلّت للنفس عن المسار كما سبق على مستوى نفوس أخرى.
" خمس من لم تكن فيه لم يتهنّ بالعيش: الصّحّة، والأمن، والغنى، والقناعة، والأنيس الموافق" ٢.
الغنى مطلوب في الشريعة، والفقر محارب فيها. وإن كان هناك خوف على النفس من فقر وغنى لأن الإنسان خُلق من ضعف، ولأنّه كثيراً ما يستبدّ به الظرف فيُنسيه الحقائق الكبرى التي ينبغي أن يتّخذ مساره في هذه الحياة بوحي منها، وعلى ضوئها.
" الغنى والفقر يكشفان جواهر الرّجال وأوصافها" ٣.
ظروف كثيرة هي التي تمتحن النّاس؛ الخوف والأمن، الصحة والمرض، ومن ذلك الغنى والفقر. يظلّ الرجل مخبوءاً لا يعرف الآخرون جوهرَه، وقد تخفى حقيقته على نفسه، لا يعرف من وزنه ولا يعرف الآخرون منه أنه الرجل الصامد أو الرجل المنهار، أنه القوي أو الضعيف، أنه الذي تثبت به قدم على الطريق حين العواصف، أو تزلّ قدمه حتى يأتي الامتحان لتتجلّى حقيقته، وأنّه من أهل القوّة أو الضعف، من أهل الطاعة أو العصيان، من أهل التقوى أو الفجور، من أهل الجنّة أو النار.
فلكلٍّ من الغنى والفقر تحدّيهما للنفس، وضغطهما الهائل، والنفس قد تنجح في امتحان وتسقط في امتحان آخر. وهناك من يقوى على مواجهة الفقر ولكنه ينهار أمام ظرف الغنى، ومن النفوس ما هو على العكس.