محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٨٥ - الخطبة الأولى
الرجاء الصادق يفعل الإقدام، والخوف الصادق يولد الاحجام، فيأتي تساؤل أمير المؤمنين عليه السلام التعجّبي ما أدري ما خوف رجل يدّعي الخوف من الله، ليبيّن لنا أن الخوف الذي لا تحرّك ولا يمسك إنما هو خوف ادّعائيٌّ كاذب، ولو كان صادقاً لأثّر.
" ما أدري ما خوف رجل عرضت له شهوة فلم يدعها لما خاف منه" الشهوات قاتلات، يبني المرء لنفسه شرف سنين، وسمعة عمر، وثقة تهجم على قلوب المؤمنين، وتتغلغل في أفئدتهم، وإذا بلحظة من عمره تعصف بكل ما بنى في الأرض، وبكل ما بنى في السماء، وبعد أن يقطع الشوط الطويل على طريق الله تكون الانحدارة المروّعة فيهوي إلى المنحدر السحيق، لماذا؟ أمام بَشَرة بيضاء، أمام ملامح وجه فتاة، وكذلك الفتاة تُخدع، وزماننا زمان مغرٍ جدّاً والفتنة فيه في هذا الجانب بخصوصه فتنة كبرى، وكلّ واحد منّا مسؤول حين يرمي بنفسه في مواطن الفتنة ثم يأسف. ضعفك ليس عذراً، لماذا تقدمت برجلك إلى مثل هذه المستنقعات الموبوءة؟ ولماذا تصرّ على النظرة المحرّمة؟ ولماذا تهاتف الفتاة بسبب مرضيّ وغير مرضيّ؟ ولماذا تدخل معها في أحاديث مثيرة؟ ولماذا تسلّم نفسك إلى القنوات الشيطانية الموصّلة؟ لا زلت تملك إرادتك، وبرغم كل ما فيه هذه الأرض من مفاسد ومن مغريات لازال الإنسان يملك من نفسه ما يملك، ولن تسقط المسؤولية.
استحضر خوف الله عز وجل ينقذك، أمير المؤمنين عليه السلام يسأل، سؤال مقرِّر، مؤكِّد، مبيِّن، بأن لا خوف من الله عزّ وجل في نفس تستجيب للشهوة الاستجابة المحرّمة؛ فما كان لنفس أن تغلبها شهوة الحرام وهي تخاف الله سبحانه.
" ما أدري ما خوف رجل عرضت له شهوة فلم يدعها لما خاف منه، وما أدري ما رجاء رجل نزل به بلاء فلم يصبر عليه لما يرجو".
ألا يخاف أحدنا النار فيحجزه هذا الخوف عن الارتماء في أحضان الرذيلة؟ ألا يرجو أحدنا ثواب الله تبارك وتعالى فيصبر على محنة جنس أو غير جنس؟!