محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٢٥ - الخطبة الأولى
ولكنّه يمنعه من ذلك عقل ودين وحكمة وحساب مصلحة، وينتهي كل ذلك إلى مراعاة مرضاة الله سبحانه وتعالى وغضبه.
شخصٌ آخر لا يملك من نفسه أن يقف أمام لحظة من مثل هذه اللحظات الهائجة فيسقط في حمئة تلك اللحظة بأن يحترق بها قبل أن يحرق غيره.
" إيّاك والغضب فأوّله جنون وآخره ندم" ١٣.
فهكذا هي حالة الغضب تبدأ بفقد عقل، وبفقد حكمة، وتنتهي بأخطاء فادحة ليعتذر صاحبها إذا رجع إليه عقله، وإلا يقي أسير جنونه، رهن خطئه.
" من لم يملك غضبه، لم يملك عقله" ١٤." شدة الغضب تغير المنطق، وتقطع مادة الحجّة، وتفرّق الفهم" ١٥
شدّة الغضب تغيّر المنطق إذ تخرج به من منطق عقليّ يقوم على الموازنات والمعادلات الدقيقة وانضباط اللفظ، ومراعاة الأحوال إلى منطق جنونيّ وهذرٍ من هذر المجانين.
" وتقطع مادّة الحجّة، وتفرّق الفهم"، يفوت التركيز لحظة الغضب، وما يستطيع الإنسان أن يؤدّيه من حجّة، وما يتيسّر له من إقامة برهان لحظة الرزانة والوقار والهدوء لا يكون منه الكثير، ويفوت منه الكثير لحظة الغضب، فيأتي كلامه مبتسراً غير قائم على الحجة إنما هي العواطف الهائجة التي تعبّر عن نفسها من غير انضباط.
فالغضب يقطع مادة الحجة بأن لا يتيسر لصاحبه أن يستجمع أفكاره ليجيد إقامة الدليل على ما يريد، ويفوّت على الإنسان حالة التركيز، ويفرّق الفهم ويشتته فيفوّت على الانسان حالة التركير التي تتيح له انتاجا فكرياً دقيقاً منضبطاً.