محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٥ - الخطبة الأولى
التقدّم، هؤلاء يعيشون مستوى من الحياة لا يعيشه الإنسان العادي، نحن لا نرى تلك الحياة التي وراء هذا الأثر ولكننا نرى الأثر فنؤمن بأن هناك حياة يتمتّع بها هذا الشخص أكبر مما نحن عليه من حياة.
والعارفون بالله عز وجل تتفجر داخلهم مشاعر راقية سامية، ويعيشون حالة الاطمئنان والثقة والشعور بالسكينة، ولهم علم بالحق، وتمييز واضح في المسائل التفصيلية والموضوعات الخارجية بين ما هو حق وباطل، ويغنون بالقدرة على تحمّل ثقل الحق، ويعيشون حالة الرضا به، ولهم تعلّق لا نعرفه بالله عز وجل، وكره داخليّ عارم للباطل، وحبّ يصل إلى حدّ الهيام للحق، ولهم قدرة على مواجهة كلّ التحديات، وإرادة حرّة لا تستطيع كل ضغوط الأرض أن تنازلها، ولهم من الشعور بالكرامة والعزّة وعلوّ المنزلة والرفعة، والتمتّع باللذة المعنوية من خلال الطاعة ما ليس للخلق الكثيرين من غيرهم. ما وراء كل هذا؟ هذه آثار حياة، هذه مظاهر لون من الحياة لا يعرفه الآخرون، إن وراء كل هذه المظاهر حياة أرقى مما عليه الآخرون.
ونسأل: هل الآية الكريمة تتحدث عن حياة جديدة ثانية تنضمّ ثانية اثنتين إلى حياة الجسد أو حياة الفكر الرياضي؟
والظاهر فيما إليه صاحب الميزان هنا هو أن ليست هنا حياة ثانية، وإنما هي الحياة من مرتبة جديدة، هي الحياة من مستوى أرقى. أقول: على كل حال إنها حياة بُعدٍ جديد في الذات الإنسانية كان مغيّباً، وإن الحاضر في حياة عموم الناس هو البعد الجسدي، وقد يكون الفكر في كثير من طاقاته، خضع لحالة موت وحالة سبات، ثم تأتي عليه الحياة لينتفض ويتفجّر بطاقاته الكبيرة عن مظاهر لم تعرفها حياة صاحبه من قبل، وتبقى الروح سابتة، وتبقى إنسانية الإنسان نائمة، ويبقى البعد الأرقى في الذات الإنسانية مهملا، ثم يأتي الوقت الذي يعطي الإنسانُ لهذا البعد من وجوده- وهو أكبر الأبعاد وأرقاها- بالًا،