محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤ - الخطبة الأولى
الآية الكريمة فيها دعوة وترغيب عظيم للعمل الصالح لما ينتجه من حياة، وجزاء أخروي كبير. وربط الحياة الطيّبة، والجزاء الأخروي الكبير به له شرط، وهو شرط الإيمان مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ. إطعام الفقير، مسح دمعة اليتيم وهو عمل صالح، مرّة يأتي به الإنسان من منطلق الإيمان، وفي صحوة إيمانية، وبدافع إيماني واعٍ، ومرة يأتيه من منطلق العاطفة الإنسانية العامّة، أو رقة القلب نحب وفرق في قيمة العملين، فرق بين عمل يأتي عن عواطف تغلب الإنسان وتأسره، وبين عمل عن إيمان بقيمة هذا العمل، وإيمان بقيمة الامتثال للأمر الإلهي، وفي حالٍ تنشدّ فيها النفس إلى الله، وتتعلّق به، وتسير في اتجاهه عن عقل وتصميم وشوق، العمل الثاني عمل من المستوى الراقي الذي يُحيي الإنسان، العمل من المنطلق الأول استجابة لضاغط نفسي، فهو يقرب من ردود الفعل التي يضطرنا إليها الواقع البدني، أما الفعل من المنطلق الثاني فهو فعل من وحي العقل الواعي، ومن وحي الوجدان الطاهر، ومن وحي الرسالية والانشداد إلى الله تبارك وتعالى.
العمل الذي يحيي، الذي يبعث النفس، الذي يخلق واقعا جديدا للذات الإنسانية كما في الآية الكريمة مع كونه صالحا يجب أن يكون من منطلق الإيمان.
ما هي الحياة الطيبة؟
الحياة الطيبة هي حياة تُعرف بآثارها، كل من يعيش على الأرض يحيى نوع حياة، الكل مشترك في نوع من الحياة، نجد آثار ذلك النوع بيّنة في واقعنا، الحركة العضوية، إدراك الحقائق القريبة على تفاوت بين الناس، الشعور بالشوق إلى الوردة، النفور من المناظر القبيحة المادية، كل ذلك آثار حياة مشتركة بين الناس، وهي حياة تشيع في الجسد، وتجعله يقوم بفعل معيّن، ويعطي ردّ فعل معيّن لتأثيرات الخارج.
هناك حياة أرقى من هذه الحياة، حياة المفكّرين الكبار، أصحاب الاكتشافات، وأصحاب النظريات المتقدمة، والذين تأتي النظرية من أحدهم لتدفع بالحياة مسافات على خطّ