محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٢٥ - الخطبة الأولى
الآية الكريمة تقول الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ أليس العبد فقيراً، محدوداً، لا يملك لنفسه وجوداً ولا حياة، ولا نفعاً ولا ضراً؟ العبد المقطوع عن الحياة في نفسه، المقطوع عن الوجود في نفسه، العبد العدم في نفسه يفتش عن وجود، عن استمرارية وجود، عن استمرارية حياة، عن مصدر يقوى به، يحتمي به، يتكل عليه، يفتش قلب العبد في كل الآفاق، في كل مساحة الممكن فيجد أن كل الممكنات، وأن كل المخلوقات شأنها شأنه، فيبقى مضطرباً، يستولي عليه القلق، الخوف، الهلع، الشعور بالفاقة، الشعور بالنهاية الأبدية، يبقى يطلب الاطمئنان فلا يجده حتى يعرف الله عز وجل، ويشتغل بذكره فلا يجد فيه إلا القوي الذي لا يُغلب، العليم الذي لا يذلّ، الرحمن الرحيم، المريد الفعّال لكل ما يريد، فهنا تدخل قلبه السكينة، ويشعر بالراحة، وينتهي قلقه، وكلما تعلق بالله، وكلما تمتنت علاقته به، وكلما انشد إليه وجد من نفسه أنه أقوى، وتوفر على ثقة أكبر بالديمومة والقوّة والحماية والهناءة والسعادة.
ويؤكد لنا الله عز وجل أن الذكر دواء القلب أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ اللجأ إلى غني من أغنياء الناس، إلى جبهة من الجبهات القوية، إلى كيان من الكيانات المتينة، إنّما تعطي شيئا من الطمأنينة للقلب الغافل، للقلب الناسي، غير الملتفت، فحالما تجد أن من استندت إليه لا يملك وجوده ولا حياته، وليس لها استقلال في أمر من أمره يسقط في يدك، ويرجع الخوف للقلب، تنتهي السكينة، ويسيطر القلق.
فلا طمأنينة حقّاً إلا بالانشداد إلى الله، بتأكيد التعلق به، بالاندكاك والذل والمسكنة بين يديه.
أتستطيع أن تستكبر على التمسّك بحبل مثبّت في سارية رفيعة وأنت في الفضاء؟ كم سيكون تمسكك بهذا الحبل؟ تعلقك به؟ وما هذا إلا مثل صغير أمام حاجة التعلق والتدلي برحمة الله سبحانه وتعالى وطلب فيضه.