محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٥٣ - الخطبة الأولى
وهناك فكر يجعلك تقدّم الحسن على القبيح، وتختار الحقّ على الباطل، وهذا حكمة، الحكمة أن تختار الحقّ على الباطل، وليس كل من عرف الحقّ وعرف الباطل قدّم الأول على الثاني، والحكمة ليس أن تعرف الحسن والقبيح إنما ذلك ما يسمونه بالعلم العملي وهو أن تدرك حسن الشيء وقبحه، لكن أن تقدّم الحسن على القبيح فتلك مرحلة متقدّمة في المنزلة على العلم الأول وإن كانت متأخرة عنه في الترتب المنطقي، وهذا التقديم والخيار السديد هو الحكمة.
ماذا يوصلنا إلى العلم النظري والعملي وإلى الحكمة؟ الفكر أي التفكّر، التدبّر، إعمال الطاقة الفكرية. هناك طاقة فكرية نطلق عليها (فكر)، وهناك عملية تفكير أيضا يطلق عليها (فكر)، فالمقصود هنا عملية التفكير وليست الطاقة الفكرية.
الطاقة الفكرية قد تبقى في سبات، قد تبقى معطّلة غير منتجة ومثال ذلك أن شخصاً يتوفر على قوة عضلية هائلة، لكنه لا يستخدمها فلا تُنتج، وأن شخصاً آخر يتوفر على طاقة عضلية أقلّ مستوى ولكنّه يضعها على طريق العمل والإنتاج فإنه سينتج. صاحب الفكر العملاق إذا لم يدخل في عملية التفكير فإنه لن ينتج الكثير، وصاحب الفكر المتوسّط إذا جدّ واجتهد والتزم المنهجية العلمية في التفكير وبذل وسعه في عملية التفكير فإنه سينتج الكثير.
كيف نتوفر على العلم في بعده النظري؟ كيف نتوفر على العلم في بعده العملي؟ كيف نتوفر على الحكمة؟" الفكر يفيد الحكمة" هذا الجواب عن السؤال والكلمة عن عليٍّ عليه السلام.