محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩ - الخطبة الأولى
" إنّ رجلًا قام إلى أمير المؤمنين عليه السّلام، فقال: يا أمير المؤمنين بما عرفت ربّك؟ قال: بفسخ العزم (العزائم- خ ل) ونقض الهمم، لمّا هممت حال بيني وبين همّي ..." ٨.
فإذاً أنا لا أملك تدبيري، أنا لا أصنع نفسي، أنا لا أنزّل وجودي بصورة متدفقة وأتحكّم فيه كما أريد، وإلا لما حال بيني وبين همّي شيء، بينما أجدني أُغلب على نفسي، ويحول بيني وبين أن تفعل إرادتي، وأن يبقى همّي من يحول، فإذاً لست الذي يملك نفسه.
وقد يصل الهمّ إلى حدّ العزيمة، والعزيمة قد تكون أنضج درجات إرادة الفعل، أو هي كذلك ومع ذلك يكون التراجع، ولو كنت الذي أملك نفسي لما حال بيني وبين ما عزمت عليه شيء، وقد تبقى العزيمة، وإرادة الفعل إلا أن الأسباب تحول بيني وبين ما أريد، فأنا لا أملك داخلي ملكاً أصليّاً، ولا أملك الخارج.
" إنّ رجلًا قام إلى أمير المؤمنين عليه السّلام، فقال: يا أمير المؤمنين بما عرفت ربّك؟ قال: بفسخ العزم (العزائم- خ ل) ونقض الهمم، لمّا هممت حال بيني وبين همّي، وعزمت فخالف القضاء عزمي، فعلمت أنّ المدبّر غيري" ٩.
وهل ذلك الربُّ المدبر مثلي؟ ويساويني في الفقد الذاتي؟ وفي الفقر الذاتي؟ يستحيل. فالمدبّر غيري وهو فوق ما أتصوّر ومن أتصوّر، فوق كل المحدودين لكونه غير محدود وغنيّاً بذاته لا يسترفد الوجود والحياة والعلم وكل الكمال من غيره.
أجئنا من الطبيعة الخرساء؟ أقرَّرت الطبيعة الخرساء أن تقوم على أساس من هذا النظام الدقيق المحكم الرصين الذي يحكم كل جزئية فيها، وكل خلية وكل ذرّة، إلى جنب علاقات ما فيها كلّه؟ ثم وهل تملك الطبيعة الخرساء الصماء أن تفعل؟!