محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٨٤ - الخطبة الأولى
الهوى شهوات في النفس، ودوافع ماديّة ونزوات، ورغبات طائشة، وعواطف بلا عقل، الهوى خلفيّة سلوك خالية من الحكمة، خالية من التأمّل والتمعّن، بعيدة كلّ البعد عن ضوابط العقل وحساب المصلحة.
و متى يعرف أحدنا من نفسه أنه خاف الله، خاف مقام ربّه، وليس عقاب ربّه، وفرق بين أن أخاف عقاب ربي وأن أخاف مقام ربي، وهو مقام العظمة والجمال والجلال والكمال، مقام التفضّل والإحسان، ومقام الرقابة الدائمة التي لا تخفى عليها خافية، وذلك المقام لابد أن يُهاب، لا بد أن تعفّر الخدود والجباه أمام عظمته، إنّ جمالًا من الجمال الذي خلقه الله، كجمال علم، وجمال طهر ووحي وتقوى، وكرامة نفس ليعطي شخصية نموذجية رائعة تحتل مكانتها في القلوب وتستقطب الأرواح، أما الجلال المطلق، و الجمال المطلق، الكمال المطلق، فلا يملك أحد إلا أن يُصعق أمامه.
الخائفون من مقام الله لا يحكمهم الهوى ولا يجد له مكاناً في أنفسهم، وإنما يحكمهم حبّ الله، خوف الله، تقوى الله ويملأ أقطار نفوسهم النيّرة الطاهرة بما لها من هذا الخوف والحب والتقوى.
" من رجا شيئاً طلبه، ومن خاف شيئاً هرب منه، ما أدري ما خوف رجل عرضت له شهوة فلم يدعها لما خاف منه، وما أدري ما رجاء رجل ٥ نزل به بلاء فلم يصبر عليه لما يرجو" ٦.
الرجاء الصادق يدفع، يحرِّك، ينشِّط، يعطي تصميماً، يعطي إقداماً، وكلّما كبر الهدف، وكلّما سمت الغاية، كلّما سهل الطريق وإن كان صعباً، ذلك لتضاعف تحمّل النفس. فلأنّها مجذوبة لهدفها الكبير، تتحمّل من الأتعاب أضعاف أضعاف ما يتحمّله الجسد، والخائف من شيء لابد أن تقف به رجله عن الإقدام على طريقه، ولابد أن يكون متراجعاً بدل أن يكون متقدماً على ذلك الطريق.