محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٨٤ - الخطبة الأولى
كان أبو ذر يمرّ بالقوي، ويمرّ بالضعيف، فيدرس حالة القوي وأنه هل كسب قوّته بيده، هل أعطى لنفسه القوّة والصحّة أم هي هبة من الله عزّ وجلّ وعارية؟! أما كان يسهل على الله عز وجلّ أن يجعل هذا القويّ ضعيفاً، والضعيف قويّاً؟!
أبو ذر له درس في كل حبّة تراب وذرة، وفي كل شجرة باسقة، وفي كل نبتة صغيرة، وفي كل طفل وليد، وفي كل شيخ كبير، له درس في حالة زواج، وفي حالة نزع. في كل الحالات للمطالع دروس، وللمطالع آيات، والمتأمّل المتفكّر لا تخونه الحقيقة، ولا يُصاب بالغرور، ويكتسب الحكمة.
ولذلك يأتي عن الصادق عليه السلام: «تفكّر ساعة خير من عبادة سنةإِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُواالْأَلْبابِ [١] ٥» [٢] ٦.
والإنسان بلا ذكر هو بلا عقل، بلا حكمة، بلا خيار صحيح، بلا رشد، والتذكّر بالتفكّر، والعبادة التي تخلو من فكر لا تفيد تذكّراً، ولا تمثّل جوّاً صالحاً للتقرّب الحقيقي لله سبحانه وتعالى. فلذلك كان تفكّر من ساعة التفكّر الذي يقود إلى الله، التفكّر الذي ينتهي بهذا الإنسان إلى الحقّ الأكبر، إلى العظمة الإلهية المتعالية، التفكير الذي هو تفكير لا يقف بصاحبه عند الحقائق القريبة، وعند الأسباب الظاهرة، التفكّر الذي يعطي ذكراً لله، ويعطي ذكرا للنفس، ويعطي ذكرا للآخرة، ويعطي ذكرا للحق، ويعطي ذكراً للباطل، وقوّة على الأخذ بالحق، وعلى مفارقة الباطل خيراً من عبادة سنة.
[١] سورة الزمر: ٩.
[٢] المصدر نفسه، ص ٥٤٣.