محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٩٠ - الخطبة الأولى
الحمدلله ذي القدرة المحيطة الذي لا يُعجزه شيء، والعلم النّافذ الذي لا يخفى عليه خافٍ، ومن علمه أنّه يعلم الكون الذي خلق، ولا قيامَ له إلا بمدده وتدبيره كم هو من مثقال ذرة، وما تصير إليه الأشياء، وتنتهي إليه الخواتم، وما عليه النيّات، وما تؤول إليه، و ما عليه تبدُّل العزائم، وما ستتعرض له، ثمَّ تكون عليه، وكلُّ شيء سابق أو لاحق في علمه سواء.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليماً كثيراً كثيراً.
أوصيكم عباد الله ونفسي الغارقة في غفلتها بتقوى الله والاعتماد عليه، والاستغناء به عمن سواه، وعدم الاحتماء منه بمن عداه؛ فالكل مخلوق له، وليس من خلقه من يمتنع في نفسه عن قَدَرِه، أو يملك فراراً من أخذه؛ فكيف له أن يدفع عن غيره عقابه، ويمنع عنه عذابه؟!
عباد الله إنَّ لأهل السلطة الاعتبارية من عبيد الله المملوكين له، المقهورين لقدره أوامر ونواهي لمن يحكمون، يعتمد نفاذها على مالٍ وجندٍ وسلاحٍ وكلُّ ذلك مملوك لله، خاضع لإرادته، غير خارج عن قدرته، ولهم حدود يضعونها على الأشياء والتصرفات لا يكاد يتعداها المحكومون رهبةً ورغبةً، وفي تعدّيها وتحدّيها توطين للنفس على معاناة الأذى والعقوبة. فكيف لعاقل يتوقف في الكثير عن تعدّي حدود من وَضْعِ العبيد ويلتزم أوامرَ ونواهيَ من اعتبارهم بينما يسهل إقدامه على التعدي لحدود الله، ويستخف بأوامر المولى الحق ونواهيه؟! وإذا كانت عقوبات العبيد لا تُطاق فكيف تُطاق عقوبة نار سجَّرها جبّار السماوات والأرض لأهل غضبه؟!