محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦١٠ - الخطبة الأولى
تتكوّن شخصيتنا الإنسانية نوعاً، ومستوى في إطار من تصوراتنا وتصديقاتنا ومفاهيمنا ورؤانا، ولا يمكن أن تُولد شخصية إنسانية عظيمة من أرضية أفكار ساقطة ووضيعة، ولا مجال لأن تعظم شخصية ومثلها الأعلى يعاني من وضاعة.
وإذا كانت الأفكار الحاضرة في النفس، المستوعبةُ لها أفكاراً ساقطة فلا سبيل لها للسموّ.
شخصيتنا لا يمكن أن تتكوَّن خارج دائرة الفكر الذي يملأ النفس، وعلى انفصال من تأثير المَثَل الأعلى الذي تتبناه، وتنشدُّ إليه.
شخصيتك من مثلك الأعلى الذي تُؤمن به، وتتحرّك بذاتك في اتجاهه، وتطلب رضاه.
إذا كان المثل الأعلى لإنسان سيّئاً جاء هو سيئاً لا محالة.
ومن كان مثله الأعلى عالياً حقّاً كان له اقتباس من شعاعه، واقتراب من عُلاه، وانبنت ذاته انبناء قوّة وهدى وصلاح.
ولا مثل أعلى كالله عزّ وجلّ، والجلال بلا حد، والجمال بلا نهاية، والكمال بلا غاية إنما هُوَ لَهُ لا لأحد سواه.
وذِكْر العارفين له ذكر للجلال والجمال والكمال بلا نهايات ولا حدود. ذِكْر للحياة والعلم والقدرة بلا تناهٍ ولا قيود. وذِكْر للخالقية والرازقية وعظمة التدبير، ودقة الإتقان، وفعل العدل والحكمة واللطف والرحمة والإحسان.
ذِكْرٌ وعشق يجعل غاية الذاكر نيلَ أكبر ما يتَّسع له وجوده من كمال، يُورثه الرضا والطمأنينة، يُكسبه القوّة، يُقوّم سلوكه، ينقذه من الانهزام، من هموم دنياه، ومن ضيق الأفق، من التجمّد في إطار المكان والزمان، من الرّعب، من اللامبالاة والعبثيّة، من الكسل