محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٠٣ - الخطبة الأولى
سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ٢.
وفي شأن الجنة والنار نقرأ ما عن علي عليه السلام:" ما خير بخير بعده النّار، ولا شر بشر بعده الجنّة، وكل نعيم دون الجنّة محقور، وكل بلاء دون النّار عافيةً" ٣.
فالجنّة تكبر كل ثمن وإن كان أشق مشقة في هذه الحياة، وتهِنُ كلّ كلفة في سبيلها وإن كانت الموت تحت العذاب.
وهذا ما تفيده الكلمة عن الحسين عليه السلام في غمار المعاناة الضخمة المرة، وتحت ضغط ألوان من رزايا تخرُّ لها وتتساقط لها الجبال:" هوّن علي ما نزل بي أنه بعين الله" ٤ فما دام كل ذلك تحت نظر الله، وفيه نيل رضوانه كان سهلًا تحمُّله بما هو وصلة إلى الفوز بالرضوان، وهو أكبر نعم الجنّة.
ولو وُضِع نعيم الدنيا المادّي بجنب نعيم الآخرة لسقطت قيمته ولو كان أعظم نعيم فيها، ولما حَفلت به عين ترى نعيم الآخرة، وما نظرت إليه.
أجمل شيء وقعت عليه عينك في تجربتك الحياتية، ونظرك منشدٌّ إليه كل الانشداد، حين تأتي صورة أكبر جمالًا بأضعاف مضاعفة، تنسى الصورة الأولى، وتنصرف بنظرك عنها.
كل جمال الدنيا، وكل خير الدنيا، وكل نعم الدنيا، وكل فتنتها تسقط قيمتها لِنَظَرِ ما في الآخرة، وأقل ما في الآخرة من جمال يُسقط أكبر ما في الدنيا وقيمته.
كل معلوماتنا قاصرة، وكل امتداد لتصورنا عاجز عن أن يدرك ما تغنى به الجنّة من نعم، وما تثرى به من لذائذ، ومن خير أعدّه الله عز وجل جزاءاً لأوليائه، وليس من نفسٍ