محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٠٥ - الخطبة الأولى
ويرى الإسلام أنّ النفس الإنسانية قد أهّلها الله باستعدادات كافية لما هو أكبر من الدّنيا لذاذةً ونعمة وكرامة، وما هو أبقى، وهو نعيم الآخرة الذي لا ضيق فيه، ولا نفاذ له، ولا نهاية، في حياة دائمة لا أمد لها ولا انقضاء.
ولذلك كان من الظلم للنفس في الدّين أن تتجمّد نفس عند لذة الدنيا، وتُستهلك من أجلها، وتتخلّى عن هدف الآخرة، والتركيز عليها.
ولا يقع شيءٌ في نظر الدين ثمناً للنفس الإنسانية الكريمة إلّا الجنّة، والجنّة تعني نعيم بدن، ونعيم عقل، ونعيم قلب وروح.
يقول عزّ من قائل: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ .. ٨.
هذا هو الثمن، وليس الثمن قصرا في الدنيا، جاهاً كاذباً في الدنيا، موقعا رسمياً فيها.
وعن الإمام علي عليه السلام:" إنّه ليس لأنفسكم ثمنٌ إلا الجنّة فلا تبيعوها إلا بها" ٩.
() ألف قصر، ألف حقل، غنى باذخ، حياة مترفة، دنيا عريضة، شهرة واسعة، سلطة نافذة، لذائذ مغرقة، جمال فتّان، كلّ الأمنيات الدنيوية الكبيرة لا تقع ثمناً للإنسان، ولا تساوي شيئا من كرامته، وهي ثمن بخسٌ لو باع به ذاته.
وقد ظلم نفسه أي ظلم، واسترخصها أيّ استرخاص، واستخف بها أي استخفاف من رأى لها ثمناً دون الجنّة الكريمة الجليلة العظيمة بما تعنيه من رضا الله على عبده، ولطفه به.
تقول الكلمة عن علي عليه السلام:" مَنْ باعَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَعِيمِ الجَنَّةِ فَقَدْ ظَلَمَها" ١٠.
ولو كانت الجنّة لذائذ مادية وشهوات عارمة في غضب من الله لما كانت ثمناً لنفس الإنسان، وما مثّلت هناءاً لمؤمن عارف بالله، منفتح القلب على جلاله وجماله. وما كانت الجنة جنّة